فقدت كل شيء يا صديقي!
تغريدة الصباح –حسن حميد

عشت ولهفتي، طوال وقت الانتظار لوصول رسالة الكاتب الألماني (توماس بالك)، وقد جاءتني توا؛ وكنت سألته في رسالتي إليه: ما الذي فقده خلال اعتقاله في السجون الإسرائيلية؟ أي أن يقول ويصف لي مشاعره حين صار سجينًا ورهينة للتحقيق!
قال لي في مستهل رسالته: «أصارحك، يا صديقي، أنني بكيت وأنا أقرأ رسالتك؟ إذ من الجنون حقًا أن تصل الحماقات العمياء، وعربدات الغرور بالإسرائيليين، أن يسألوا أبناء الطبيعة: الأنهار، والغدران، والرياح، والأشجار، والأعشاب، والطيور..
سؤالهم الكريه والغبي في آن:
كيف لها، كلها، أن تبدو سعيدة، ضاحكة، زاهية الألوان، كثيرة الجمال والحيوية، والفرح يتجلى في كل حركاتها، وفي كل حضورها؟ ومن أين لها القدرة على إعادة صياغة كل ما فعلوه، وهو كثير وقبيح.. ليصير جريانًا طروبًا للأنهار، وغزارة هدارة للماء، ومضايفات جماليات للأعشاب، وثمرًا وظلالًا للأشجار، وخضرة راقصة بهيجة لمروج البراري؟!
بكيت لأنني عرفتهم أكثر، وأنا أجول في المدن والبلدات الفلسطينية. عرفت صلفهم وغرورهم وعنصريتهم، ورأيت ما يفزع القلب حقًا، وهم يقتحمون الشوارع والبيوت ودور العبادة والمدارس والمشافي.. عنوة، وعلى نحو مفاجئ، وبكل هيئات الوحشية وأشكالها؛ يمشون وراء البنادق، وينظرون من وراء البنادق، ويتحدثون من وراء البنادق، ويتنفسون من وراء البنادق.. وفوقهم يعلو ضجيج الطائرات.
نعم، ليس غريبًا حين يصير الجنون والخوف هما الحياة، أن يوقفوا أشجار الزيتون، بعد اقتلاعها وحرقها، لكي يسألوها عن زيتونها، وزيتها، وخضرتها، وظلالها. نعم، وبعد الذي رأيته، أصدق كل كلمة قلتها.. يا صديقي!
سؤالك إليّ: ماذا فقدت حين دخلت معتقلهم؟ سؤال هو لب الحياة في بلادكم، وهو جوهرها. لقد فقدت كل شيء، ومنذ اللحظات الأولى، حين ارتطم رأسي بالجدار الوسخ العفن، لأنني فوجئت بدفعة قوية لقدم تلبس حذاءً خشنًا بشعًا كادت تسحق عمودي الفقري، فارتميت في ذيل الجدار. لحظتئذ، كل شيء فيّ انطفأ، عدا بصري، ظل متوقدًا، فرأيت الجندي الذي دفعني بحذائه إلى الجدار، في غفلة مني. لقد رأيت مخلوقًا أشبه بالضبع الهائج، وزبد فمه يسوّر شفتيه، وهو يتلفظ بكلمات لم أفهم منها كلمة واحدة. ظننت في البداية أنه ظنني فلسطينيًا، لأن قسوته كانت بالغة جدًا. لقد ركلني مرات بحذائه الضخم، وبصق عليّ، لكن حين قال لي بالإنكليزية: «ألماني يا كلب»، محوت ظني!
وقلت في نفسي: كل من يأتي إلى هذه البلاد، يصبح فلسطينيًا في نظرهم؛ لأنه سيعرف حقيقة الواقع، ومجريات الأمور، وسيرى أن ثمة أنهارًا هنا، شقها الإسرائيليون، وأشرفوا على جريانها واستمرارها، اسمها أنهار الظلم! وأنهم نشروا الحقد والعنصرية والغرور في الهواء، ملازمةً لروائح البارود، فحيثما انتشرت روائح البارود، انتشر حقدهم وغرورهم، وبدت عنصريتهم فاقعة مثل عيب جهير!
في غرفة التحقيق، حيث كل شيء فيها عارٍ، فهنا لا ثياب تستر، ولا أقنعة يتوارى خلفها أحد؛ هنا.. القذارة، والسقف العالي جدًا المخيف، والنوافذ الصغيرة الضيقة، والجدران المكشوفة، وطاولة المحقق وكرسيه، وعلامات وجهه.. كلها عارية، حتى وقاحته كانت عارية. سألني لماذا جئت إلى هنا، أعني إلى فلسطين، فقلت: هذه بلاد مشاها، وجال فيها، وتنفس هواءها سيدنا؛ لهذا جئت! قال: أسألك، لماذا جئت؟ قلت: جئت لأمشي في دروبها، وأتعرف إلى أهلها، وأجول في براريها وقراها، وأتنفس هواءها!
قال: ألم تأتِ لكي ترى كيف عمّرناها؟ قلت: رأيت القناطر الحجرية في (شفا عمرو)، والبيوت الشارقة بالضوء في (حيفا)، و(عكا). واغتسلت في النهر المقدس، حيث اغتسل سيدنا، ورويت جسدي بالماء الدافئ في أجران (الحمة)، قرب (طبريا)، ومصصت قصب السكر، وأكلت التمر في (أريحا)، وخانني جسدي، فركعت قرب عتبات كنيسة القيامة، واختطفتني أنوار القناديل النحاسية في المسجد الأقصى، وجلست في ظلال أشجار الجميز، وأكلت من أقراص فطائر (الحميضة، والسبانخ، والبطاطا، والجبنة البيضاء) عند امرأة اسمها (عدلة) جاءت إلى (القدس)، فجلست قرب مصاطب المسجد الأقصى، لتوفي نذرها، وحدثت ابنتها (زانة) الصغيرة، ابنة الأعوام التسعة، وحدثتني. سألتها: لماذا هذا النذر يا (زانة)؟ قالت: إنه لأبي. وأضافت أمها (عدلة): إنه شكر لله الذي خلّص زوجي من بين أيدي الخواجات (تعني الإسرائيليين) للمرة الرابعة. قلت: كان أسيرًا؟ قالت: نعم، وقد قطعوا ساقه في المعتقل؛ لأن الغنغرينا التهمتها بسبب إهمالهم الطبي!
قلت: وهل هذا هو النذر الأول يا أم (زانة)؟ قالت: لا، إنه النذر السادس. أربعة منها كانت لأن الله أكرمني بعودة زوجي، واثنان منها كانت لأن الله أكرمني بعودة ولدي (توفيق وجبارة) من معتقلاتهم! وصمت! فقال المحقق: أهذا كل ما رأيته؟! أهذا كل ما جئت لأجله؟ قلت: لا! لقد رأيت أكثر من هذا، وعرفت أكثر من هذا. قال بغضب: مثل ماذا؟ قلت: زرت مدرسة لرياض الأطفال في بلدة (أريحا)، وسألت الأطفال الصغار، ذكورًا وإناثًا، عن آبائهم؟ الكثير منهم قالوا: استشهدوا، ما قالوا لي: ماتوا! قال المحقق: لعلك زرت مدرسة أيتام؟ قلت: لا، إنها مدرسة أطفال ما زال آباء بعضهم في المعتقلات، وبعضهم ما زالت أمهاتهم في المعتقلات! قال: وهل صدقتهم؟ قلت: الأطفال من فصيلة الأنبياء، إنهم لا يكذبون! آه يا صديقي، لحظتئذ، خرج المحقق، ودخلت فيلة على هيئة بشر، فانعدم النور، منذ اللحظات الأولى لضربهم لي، وغبت عن الوعي!
ملاحظة أولى:
سألتني: ماذا فقدت في معتقلاتهم التي تنقلت بينها؟ وأجيبك بصراحتي التي تعهدها، وباختصار شديد: لقد فقدت إنسانيتي!
ملاحظة ثانية:
عندما ركلني الجندي الضخم، بحذائه البشع الضخم، سقطت واحدة من أسناني، ولا أدري لماذا التقطتها وأخفيتها في جيبي. هذه السن عادت معي إلى ألمانيا، فثقبتها، وأدخلت فيها خيطًا أحمر، وعلقتها قرب المرآة التي أحلق ذقني وشاربي قبالتها.. في كل صباح!
ملاحظة ثالثة:
سألتني طفلة صغيرة، ابنة خمس سنوات، في بلدة (أريحا): هل ألمانيا جميلة؟ فابتسمت وتباطأت بالإجابة، فأجابت طفلة مجاورة لها في المقعد، طفلة لها جديلتان مربوطتان بشريط حريري أخضر، قالت: أكيد جميلة! فسألتها، وأنا أبتسم لها: لماذا جميلة؟! قالت: لأنها خالية من روائح البارود!
Hasanhamid5656@gmail.com
مواضيع ذات صلة
فقدت كل شيء يا صديقي!
جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة الرابعة)
المنطقة (ج).. القلب الاقتصادي المحتجز وعمود الدولة المستقبلية
فتح والانتخابات وضرورات الفوز
العقل الجمعي الوطني لتفكيك الاستعصاءات..