تاريخ عصر الزيتون (الحلقة الأخيرة)
زيتونيات- فياض فياض

كيف نحتفظ بزيت بكر ممتاز طوال العام؟
الدستور المنزلي لـ "الأمانة الخضراء"
نصل اليوم إلى المحطة الختامية من سلسلتنا التاريخية والعلمية حول "تاريخ عصر الزيتون". فبعد أن طوّفنا في الحلقات التسع السابقة عبر تطور آلات الطحن ميكانيكياً، وجغرافيا التصنيع العالمية، ووصولاً إلى ثورة إعادة تدوير المخلفات الجافة والسائلة، نأتي اليوم إلى بيت القصيد؛ وهو "المستهلك في منزله". فكل تلك الجهود الهندسية والزراعية المبذولة بدءاً من خدمة الشجرة وتقليمها وحراثتها وإزالة الأعشاب والري التكميلي ومقاومة الآفات والأمراض والحشرات والفيروسات كمرحلة ما يسمى "مرحلة ما قبل الحصاد" .
لننتقل إلى مرحلة الحصاد: عندما ندرك ونصبح متيقنين أن الزيتون قد دخل مرحلة النضج ووصل إلى مرحلة ثلثي النضج نبدأ بالقطف بالأيدي قدر الإمكان أو استخدام الأمشاط البلاستيكية، وأن نقوم بجمعها وفصل الأوراق والأغصان ونقلها بصناديق بلاستيكية، وإن لم تتوفر الصناديق، يتم استخدام شوالات الخيش صغيرة الحجم، لنقوم بنقلها للمعصرة وعصرها في نفس اليوم، إن لم يكن بالإمكان العصر بنفس اليوم ... فعلينا أن نقوم في المنزل بفرد الزيتون على أرض مظللة مهواة على ارتفاع لا يتجاوز 10-15 سم ... وألا يتجاوز بأي حال من الأحوال مدة 72 ساعة كخط أحمر ...
مرحلة عصر الزيتون : "في المعصرة إما أن يكرم الزيت وإما أن يهان".
في المعصرة، علينا التروي واختيار المعصرة الأفضل والأجود وليس الأقرب أو الأرخص. وبعد انتقال حب الزيتون إلى شفاطات أوراق الزيتون ودخول الغسالة يجب أن ننتبه إلى نظافة الماء المستخدم ويا حبذا لو كان هناك دوش لغسل حبات الزيتون بعد خروجها من الغسالة، لتنتقل جبات الزيتون إلى الجاروشة التي نتمنى أن تكون السكاكين حادة أو المطرقة سليمة ويكون الغربال ما زال محافظا على سعة 6 ملم، لننتقل إلى مرحلة مهمة جدا وهي الخلاط، في هذه المرحلة بالغة الأهمية يجب ثم يجب أن نضمن عدم وصول درجة حرارة العجينة إلى 28 درجة مئوية .. وأن تكون مدة الخلط متناسبة مع مقدار نضج الزيتون، وألا تقل المدة عن نصف ساعة بأي حال من الأحوال، في الخلاط تتحدد نسبة فاقد زيت الزيتون في الجفت ... لننتقل إلى مرحلة لا تقل أهمية وهي التوربين أو جهاز الطرد المركزي .... وأيضا في التوربين يتم ضبط فاقد الزيت في الزيبار.. يجب عدم تشغيل التوربين بالحد الأقصى أو قريب من الحد الأقصى ... إذا كان التوربين يعمل بقدرة طن وهو 1000 كغم يجب عدم تجاوز حد الـ 700 كغم، لننتقل إلى الفرازة وهنا يجب الانتباه إلى نظافتها باستمرار، لنستخلص الزيت البكر الفاخر .
كل ما ذكرناه سابقا وبالكامل، قد يذهب أدراج الرياح، إذا لم يمتلك المستهلك الوعي الكافي بـ "الدستور المنزلي لحفظ الجودة"،
إن الحفاظ على الزيت طوال العام يتطلب الالتزام الصارم بمحاربة أعدائه الطبيعيين الثلاثة: الأكسجين، والضوء، والحرارة المرتفعة. وندرج لكم هذا الدليل المباشر والعملي من المعصرة إلى العبوة المنزلية المثالية:
الترسيب :
يجب نقل الزيت إلى المنزل بعبوات تنك نظيف ومطلي بالقصدير أو عبوات الستانلس ستيل ويمنع استخدام عبوات البلاستيك إطلاقا ومطلقا . وعدم تركه مكشوفا وعند وصوله للمنزل يُفضل تركه لفترة وجيزة لترسيب البقايا المجهرية من لب الثمار، ثم نقله برفق، إلى أوعية التخزين الدائمة النظيفة، لأن بقاء الزيت فوق تلك الرواسب لفترات طويلة يسرع من عمليات التزنخ وظهور الروائح الكريهة.
علينا مراعاة الأمور التالية في التخزين المنزلي :
اولا: العبوات:
1- يمنع منعا باتا ومطلقا استخدام العبوات البلاستيكية منفذة الضوء وتتفاعل مع الأحماض الدهنية الحرة للزيت..
2- استخدام عبوات مصنوعة من الستانلس ستسل كافضل خيار .
3- الخيار الثاني هي عبوات التنك المجلفن وكلما صغر الحجم كان افضل .
4- الخيار الثالث هو الزجاج الداكن المعتم (الأسود أو الأخضر الغامق).
ثانيا: المكان:
يجب اختيار أبرد وأظلم مكان في المنزل (مثل خزانة مؤونة داخلية أو قبو بارد). يُمنع منعاً باتاً وضع عبوة الزيت اليومية بجانب موقد الغاز في المطبخ أو قريباً من النوافذ المعرضة لأشعة الشمس المباشرة؛ فالضوء والحرارة يكسران الروابط الكيميائية للبوليفينولات ومضادات الأكسدة الفريدة، ويحولان الزيت النخبوي سريعاً إلى زيت رديء خالٍ من الفائدة الصحية.
ثالثا: إحكام الإغلاق التام:
الأكسجين هو العدو الأول للزيت؛ لذا يجب عند تعبئة العبوة التعبئة التامة 100% صفر هواء وعدم ترك العبوة مفتوحة أثناء الاستخدام اليومي. ويُستحسن تفريغ الزيت في عبوات زجاجية صغيرة للاستهلاك الأسبوعي، وإبقاء الخزان الرئيسي أو "التنكة الكبيرة" مغلقة بإحكام وبأقل فراغ هوائي ممكن لحين الحاجة.
خاتمة السلسلة: أمانة جيل وقيمة وطن
إن الالتزام بهذه الخطوات البسيطة والصارمة داخل منازلنا هو المتمم الحقيقي لجهد الفلاح والمعصرة؛ فحبة الزيتون الفلسطينية التي حماها المزارع من الآفات طيلة العام وعُصرت بأحدث التقنيات تمنحنا زيتاً فريداً عالمياً لا ينبغي لنا التفريط بقطرة واحدة من جودته الطبية.
إن إنهاء هذه السلسلة التاريخية، يفتح أمامنا الباب للمحطة التنظيمية الأهم؛ فالوعي الفردي المنزلي يجب أن يتكامل مع مظلة سيادية كبرى تدير الإنتاج والأسعار وتحمي هذا الذهب الأخضر، وهي المحطة التي سنظل ننادي بها ونعمل لأجلها: تأسيس "بنك الزيت الفلسطيني"؛ ليبقى تراث الأجداد محمياً بعلم وعقول الأجيال القادمة.