عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 أيلول 2026

تاريخ عصر الزيتون

تعاونيات – فياض فياض

عمالقة المتوسط.. حين تختزل عمل الشهور بيوم واحد  (الحلقة 7)

نصل اليوم في الحلقة السابعة من سلسلتنا التاريخية إلى نقطة المقارنة الأكثر ذهولاً في تاريخ استخلاص الذهب الأخضر. فبعد أن استعرضنا المدارس التصنيعية، نقف اليوم أمام "القدرات الفلكية" للمعاصر العملاقة الحديثة في حوض البحر الأبيض المتوسط، ونقيس كفاءتها الرقمية بالزمن التراثي الذي كان يستغرقه أجدادنا لعصر نفس الكمية، لنكشف كيف اختزلت التكنولوجيا الحديثة شهوراً من التعب في بضع ساعات.

عندما نتحدث عن المعاصر الحديثة اليوم، نحن نتحدث عن مصانع متكاملة فائقة التدفق؛ ففي إسبانيا مثلاً، تربض معصرة "نويسترا سينيورا ديل بيلار" (Nuestra Señora del Pilar) في مقاطعة جيان كأضخم معصرة على وجه الأرض، بقدرة استيعابية تصل إلى عصر 2500 طن من الزيتون يومياً. وفي تونس الحبيبة، زرت عام 2024 بنفسي معصرة "المخلوفي" في صفاقس، من خلال فعاليات المهرجان الدولي السادس لجمعية تونس الزيتونة، وهي أكبر معصرة في أفريقيا، تعمل بطاقة 600 طن يومياً في الحالات العادية، ويمكن رفعها إلى 1000 طن يومياً في حالات الطوارئ، شركة السيد عبد العزيز المخلوفي أنتجت 70 الف طن زيت زيتون عام 2024 حسب ما قال لي السيد المخلوفي بنفسه.

 

حسبة هندسية: الآلة الحديثة في مواجهة معصرة الحجر والمكابس الهيدروليكية.

لو أردنا إخضاع هذه الأرقام لحسبة هندسية وتاريخية مقارنة بما كان سائداً في النصف الأول من القرن العشرين، أي عصر (المعاصر الحجرية التقليدية) ثم المعاصر الهيدروليكية المبكرة، سنقف أمام حقيقة مذهلة:

المعصرة التقليدية القائمة على المكابس وحجر الطحن كانت في أفضل حالاتها وبأقصى طاقة إنتاجية وعمل متواصل ليل نهار، لا تتجاوز قدرتها عصر 2 إلى 3 أطنان من الزيتون في اليوم الواحد.

هذا يعني بلغة الرياضيات والهندسة:

- عصر كمية 1000 طن (إنتاج يوم واحد في معصرة المخلوفي بتونس) كان يتطلب من المعصرة الحجرية التقليدية عملاً متواصلاً لمدّة تقارب 350 إلى 500 يوم؛ أي أكثر من عام كامل من الطحن المستمر!

- أما كمية 2500 طن (إنتاج يوم واحد في معصرة جيان بإسبانيا) فكانت تحتاج إلى ما يقارب 800 إلى 1000 يوم من العمل الشاق بالوسائل القديمة.

 

معصرة جدي فياض الخضر 1927: هندسة الإنتاج وكرم الضيافة

هذه الأرقام الجافة لا يمكن فصلها عن نبض الحياة والاجتماع البشري الذي كان يدور حولها قديماً في فلسطين؛ ففي عام 1927، عندما أسس جدي "فياض الخضر" معصرته الريادية الألمانية في بلدة دير الغصون -والتي كانت حدثاً هندسياً فريداً لتوليدها الكهرباء ذاتياً- كان المزارعون يتقاطرون إليها من كافة القرى المجاورة.

لم تكن هناك شاحنات، بل كانت خطوط النقل تعتمد على الجِمال والحيوانات التي تحمل أكياس الخيش المعبأة بالزيتون عبر الجبال والأودية. ونظراً لطاقة المعاصر المحدودة آنذاك وتزاحم المزارعين في ذروة الموسم، كان بعض الفلاحين ينتظرون دورهم لأكثر من شهر كامل حتى تتمكن المعصرة من استلام وعصر زيتونهم.

لكن ذلك الانتظار الطويل لم يكن عبئاً، بل تحول بفضل قيمنا التراثية إلى تظاهرة اجتماعية دافئة؛ فطوال ذلك الشهر الكامل، كان هؤلاء المزارعون يحلّون ضيوفاً مكرمين على العائلة. يأكلون، ويشربون، وينامون في غرف وأماكن مخصصة ومجهزة بالكامل لاستضافة الضيوف مجاناً وعلى الرحب والسعة. كانت المعصرة تمثل مركزاً ثقافياً واجتماعياً تلتقي فيه القرى، تتبادل الأحاديث والأمثال، وتنتظر خروج "الذهب السائل" ببركة وصبر.

إن التطور الميكانيكي الذي نعيشه اليوم، والذي يجعل حبة الزيتون تتحول إلى زيت معبأ خلال دقائق معدودة، قد يفتقد لتلك اللمسة الإنسانية والاجتماعية القديمة، ولكنه يظل صمام الأمان التقني الذي نطالب به دائماً في قسم أبحاث الزيتون لتقليل الهدر، وحماية الزيت من الأكسدة المبكرة الناتجة عن الانتظار الطويل، ليبقى منتجنا الوطني رمزاً للجودة العالمية والتراث الحي.