عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 أيلول 2026

لا بد.. من الغضب!

تغريدة الصباح – حسن حميد

دائمًا، أشخّص، وبسبب ظروفنا وما تعرضنا إليه، أننا أصحاب غضب، أصحاب انتباهات وثورات تماشينا في اليقظة والمنام، وأننا قلما نضبط أعصابنا بسبب ثنائيات كثيرة عشناها إلى حد الإدماء، ومنها الواقع والخيال، والممكن وغير الممكن، والمسموح والممنوع، والحرية واللاحرية، والحضور والغياب، والحق والباطل، والأصيل والدخيل، والكرامة والمذلة.. إلخ.

والغضب الذي نعيشه، ونعيه، لا يخص جهة أو فئة اجتماعية، بل يشمل الجميع في الوطن الفلسطيني العزيز، وفي المنافي أيضًا، لأن الأسئلة الباحثة عن أجوبتها تعمل مثل طاحون الوادي، لأن الماء موجود، والهدير موجود أيضًا، وهذا الغضب إيجابي، وله قدرة على الاشتقاق، وافتراع الدروب، وتزيين الحيطان بالنوافذ، لنرى الحواكير والعالم في آن، وإيجابيته بادية، بعدما وعت الذات الفلسطينية أن الأرض سُرقت، واحتُلت، واغتُصبت ظلمًا.. جهارًا نهارًا، وأن قوانين سُنّت من أجل شرعنة سرقتها واحتلالها واغتصابها وحراستها بالقوة الشيطانية؛ وأن البيت، وهو الكلمة المرادفة للوطن، سُرق، واحتُل، واغتُصب أيضًا، بكل ما فيه، والبيت فيه كل الدنيا، وكل الأحلام، وكل الطمأنينة، لأنه هو الدنيا، والأحلام، والطمأنينة!

والغضب إيجابي، وقوة مضافة، حين وعت الذات الفلسطينية أن التاريخ سُرق أيضًا، واحتُل، واغتُصب.. لأن كل ما كتبه عارف العارف (1892-1973)، ومن مشى في دربه، صار كتابة تصدر في كتب تحت أسماء كتاب عبريين. لقد رُفع اسم البلاد: فلسطين، وهبط في مكانه اسم: إسرائيل بالمظلة، وتغيرت أسماء القرى، والمدن، والشوارع، والأودية، والتلال، والجبال، والغدران.. وهُوّدت؛ هذا حدث في كل الأمكنة، وطوال زمن الاحتلال القبيح، وقد حدث في القدس، وطبريا، وحيفا، ويافا، وغزة، وأريحا، والنقب، والجليل كله.

والغضب إيجابي، حين وعت الذات الفلسطينية أن آلافًا من الشهداء الفلسطينيين يرقدون رقدتهم الحزينة في مقابر الأرقام التي تحرسها الهمجية الإسرائيلية بالبادق، وأسيجة الكهرباء، والبوابات المقفلة، ولا أحد من أهل الطول والحول في العالم يستجيب لعشرات، بل مئات، المذكرات الفلسطينية التي تطالب بهم، كي يرقدوا مجللين بأسمائهم. الغضب هنا جوهري وضروري كي لا يصير النسيان ثقافة، وكي لا يصير ما يفعله الإسرائيلي عادة!

والغضب إيجابي، ويعني الشرف، حين وعت الذات الفلسطينية معظم التفاصيل عن الممارسات الإسرائيلية العنصرية، وغير الأخلاقية، وغير الإنسانية، التي تحدث في السجون والمعتقلات والزنازين الإسرائيلية، والتي ما عادت، أعني هذه الممارسات، تستند إلى أعراف دولية أو أخلاقيات إنسانية، وغاياتها مجتمعة هي قتل الفلسطيني، جسدًا وروحًا، لأن السياسات الإسرائيلية ترى في سجونها أمكنة (هاديس)، أي أمكنة جهنمية لرؤية الموت، والإحساس به، والعيش معه ليل نهار. والمرعب والأكثر هولًا هو ما يحدث في السجون الإسرائيلية المخصصة للنساء الفلسطينيات، وبعضهن اقتدن إلى السجون والزنازين الإسرائيلية وهن حوامل، ولأي كائن بشري أن يتصور مخاطر الضرب، والركل، والدوس، والسحل، والإدماء، وغياب العناية الطبية، وفقدان الأدوية، والشتائم التي تطال السجينات الفلسطينيات الحوامل، وله أن يتصور عذاب الولادة وآلامها، حين يُتركن وحدهن في الزنازين، صارخات، باكيات، مناديات، لا لأن الموت يطبق عليهن، وإنما لأن الموت سيطال ما حملته أرحامهن مدة تسعة شهور! وله أن يتصور (الكائن البشري، أيًا كانت هويته) معاني اختلاط بكاء الأم وصراخها ووجعها وهي في مخاضها، وبكاء المولود الجديد الذي لا يقع بين يدي قابلة، بل فوق باطون الزنازين الباردة جدًا في الشتاء، والحارة جدًا في الصيف، واندياح السوائل والعوالق في مساحة ضيقة جدًا، فيصير الألم أسئلة كاوية!

والغضب إيجابي، وضرورة حياتية، حين يتسلم أهل بيت فلسطيني، في القرى أو المدن، إنذارًا يخطرهم بأن البيت سيهدم، وعليهم أن يعترضوا، خلال مدة (..)، لدى المحاكم الإسرائيلية، فيدفعون كل ما يمتلكونه من مال رشى، ويستدينون المال أيضًا.. كي يبقى البيت، ويتدخل السماسرة، والمحامون، وأصحاب الشأن، ولكن لا جدوى، فتمضي المدة (..)، وتأتي الجرافات المنتظرة في الصباح الباكر كي تهدم البيت، والبيت هو الوطن والسيادة والكرامة، ويمنح العسكري الإسرائيلي المدجج بالسلاح أهله عشر دقائق ليأخذوا متاعهم، لأن البيت سينسف! عشر دقائق فقط، كي يفرغوا البيت ليس من أثاثه، بل من الذكريات، والحنين، والطمأنينة، والزمن الذي عاشوه فيه أيضًا! أي (كرم شيطاني) هذا، يا حامل السلاح الإسرائيلي، أعشر دقائق!

والغضب إيجابي، وهو صحوة المعنى، حين يُمنع الطلاب من دخول مدارسهم، فيقفون عند الحواجز الإسرائيلية التي ولدت حواجز إسرائيلية جديدة، عفوًا، ولدت خوفًا إسرائيليًا جديدًا ومضاعفًا، والجنود يصرخون بالطلاب مهددين كي يعودوا إلى بيوتهم، لكن الطلاب يتلبثون واقفين، يناظرون بوابة المدرسة الزرقاء، ونوافذ الصفوف الزرق، والأبواب الزرق أيضًا، ويبتسمون! لأن وقوفهم، ومنعهم، وصراخ الجنود الإسرائيليين المجانين، يعني ضخًا جيدًا لوعي جديد يفتخرون به! وحين يعودون إلى البيوت بعد أن أكلوا حبات البرتقال، وقطع الحلوى، وسندويشات الزيت بالزعتر في الطريق، وقرب عتبات الدكاكين، يحدث الصغير منهم كبير البيت، الطالب الجامعي، الذي مُنع هو أيضًا من الدراسة، عن الذي حدث، فيقول الكبير (الطالب الجامعي) للصغير، ابن المدرسة الابتدائية: اليوم كان الدرس كله، درسًا في التربية الوطنية. وتقول الأم، دامعة العينين: رح تتعلموا غصبًا عنهم. ويقول الأب: حياتكم.. العلم!

والغضب إيجابي، حين تدهم الدوريات الإسرائيلية، بسياراتها وجرافتها، حقول أشجار الزيتون في القرى والمدن، وتقتلع الأشجار، ثم تشعل فيها النار، فيفور دم أصحاب الحقول.. ويغلي، وتحدث المواجهة، وبعد وقت قصير قد مر، وفي لحظة شرود، يقول العسكري الإسرائيلي: ما أغلى الزيتون عليهم، إنهم يفدونه بأرواحهم. ويقول أصحاب الحقول، من بين جراحهم: الزيتون هو الحياة، وهو الدار، والكرامة!

والغضب إيجابي، وضرورة عيش، حين يهب الفلاحون في الأغوار الفلسطينية، كيما يوقفوا جنازير الدبابات، والجرافات، وعجلات السيارات الكبيرة القبيحة، التي راحت تخرب سحاري الخضروات التي أثمرت وأينعت على عجل، بسبب الدفء، وقبل غيرها من المناطق؛ لحظتئذ، يرى الناظر إلى ما يحدث حربًا يديرها شيطان: فلاحون حفاة، صدورهم مشقوقة الثياب، وسراويلهم مبلولة، ودماؤهم نازفة، وبأيديهم العصي، وأدوات إسالة الماء في السواقي، وهم في مواجهة دبابات، ورشاشات، وبنادق العوز، والـM16، والقنابل الصوتية والدخانية.. وحين يرضى الجنود عن تدميرهم، وتخريبهم، وعنجهيتهم، يولون إلى دمار وخراب آخرين، أما الفلاحون فيقولون: ما زال الوقت لنا، سنزرع من جديد، وننتظر الثمر!

بلى، حين يستوجب الغضب، لا بدّ منه، وها هو غضبنا الفلسطيني يعد سنواته التي تقترب من الثمانين، ويقول بثقة: (هانت)!

Hasanhamid5656@gmail.com