جنين الجريحة.. مدارس مُؤصدة وأخرى محفوفة بالنار

جنين- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف-تراقب هبة الشيخ إبراهيم، من نافذة مستشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان، الطريق التي كانت تقود ذات يوم إلى مدرسة الزهراء ومديرية التربية والتعليم في جنين، لكنها منذ 593 يومًا صارت مُحرّمة ومحفوفة بالموت.
تقول هبة لـ"الحياة الجديدة"، بصوت حزين، إن مدرستها محاصرة وممنوعة على معلماتها وطالباتها، كحال مديرية التربية والتعليم، ومدرسة برهان الدين العبوشي.
وتشير إلى نمو الحشائش في الطريق، والسواتر الترابية التي غيرت معالم المنطقة؛ فقد كانت حيوية وتشهد اكتظاظًا مع بدايات الدوام ونهايته، لكنها صارت موحشة وممنوعة.
وتؤكد هبة، التي انتقلت إلى مدرسة أخرى، أنها تشتاق إلى مدرستها ومعلماتها وزميلاتها وصفها.
وتشير عضو اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم جنين، فرحة أبو الهيجاء، إلى أن مضي أكثر من 19 شهرًا على النزوح من المخيم يشكل معضلة في كل مناحي الحياة الإنسانية، لكنها تزداد قسوة مع العودة إلى المدارس.
وتؤكد لـ"الحياة الجديدة" أن طلبة المخيم توزعوا قسرًا على 35 تجمعًا في المدينة والريف، وحُرموا من مدارسهم، ويعيشون ظروفًا نفسية واقتصادية صعبة.
وتبين أن المدارس تغيّرت على النازحين، وصارت تواجه الطلبة صعوبات كبيرة في الوصول إلى المقاعد الجديدة، بسبب بُعد المؤسسات التعليمية عن أماكن النزوح، وعدم توفر وسائل نقل ثابتة، وللحال الاقتصادي القاهر للأهالي.
وتوضح أبو الهيجاء أن الكثير من أهالي الطلبة أُجبروا على إطلاق نداءات إنسانية؛ لمساعدتهم في توفير ما يسهّل الدراسة على أبنائهم، ولعونهم في تجاوز آثار نزوحهم القسري.
وتفيد بأن المخيم كان يضم مدرسة رئيسية للذكور وأخرى للإناث في مدخل المخيم، لكنهما أُغلقتا منذ 84 أسبوعًا، وليس من المعلوم توقيت إعادة افتتاحهما.
ووفق أبو الهيجاء، فإن العام التعليمي الجديد يفتح الجراح على مصراعيها، ويعيد تجديد الألم والحسرة والحزن، بفعل واقع النزوح الصعب.
ويعرض مدير عام التربية والتعليم في مديرية قباطية، أحمد جرارعة، لـ"الحياة الجديدة"، صورة لحال المدارس جنوب جنين، التي تضم قرابة 2400 معلم، ويلتحق بها نحو 30 ألف طالب، في 118 مدرسة حكومية وخاصة وتابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
ويقول إن 3 مدارس في سيلة الظهر: الأساسية الأولى، والثانوية، والصناعية الثانوية، ورابعة في بلدة قباطية، واثنتين في بلدة عرابة، مهددة؛ بسبب مواقعها القريبة من المستوطنات، عدا عن الواقع الجديد في رابا، والزبابدة، ومسلية، ومركة، وعجة، وعنزا، وجبع، والفندقومية، وبير الباشا، ومسلية، وصانور، ومناطق أخرى.
ويؤكد أن إحدى المدارس الخاصة في بلدة قباطية شهدت حالات انتقال عديدة في صفوف طلبتها، بفعل إقامة مستوطنة "نوعا" على مقربة منها، ولتخوف الأهالي من عدم انتظام الدراسة فيها.
ويتطرق إلى مدرستين في عرابة: الشهيد أبو جهاد، والشهيد أبو علي، تقعان بالقرب نسبيًا من المستوطنات الجديدة في البلدة، التي تشهد هجمة احتلالية واستيطانية واسعة النطاق.
ويوضح جرارعة أن العام الدراسي الحالي افتتح أمس الأحد من سيلة الظهر، بسبب ما تعانيه البلدة من واقع استيطاني صعب، جراء تراجع الاحتلال عن إخلاء مستوطنتي "حومش" و"صانور"، بعد 21 عامًا من مغادرتهما.
وينقل رئيس مجلس قروي عابا الشرقية، برهان عزموطي، خشية الأهالي من تنقل طلبة المدارس الثانوية من القرية نحو جنين، عبر الشارع الالتفافي الذي صار محفوفًا بالخطر.
ويقول لـ"الحياة الجديدة" إن مدرسة القرية الوحيدة مختلطة وتضم 200 طالب، لكن نحو 60 طالبًا يتنقلون بين جنين ودير أبو ضعيف لإكمال الدراسة بعد الصف التاسع.
ويبين عزموطي أن أهالي "مشاريق" جنين يعيشون واقعًا جديدًا، بعد تحول الطريق الالتفافي إلى منطقة للتنكيل بالمواطنين، إثر إعادة الاحتلال لمستوطنتي "جانيم" و"كاديم"، وتكرار إغلاق الشارع، وانتشار الحواجز، واضطرار الأهالي والطلبة إلى البحث عن طرق بديلة وطويلة توصلهم بالمدينة، دون إعاقة أو تنكيل من حواجز الاحتلال الثابتة والفجائية.
ويسرد عضو الائتلاف التربوي الفلسطيني، نسيم قبها، بلغة تفيض بالأدب: "في صباحات جنين الأولى، حيث يختلط غبار التراب بعطر الزيتون المكلوم والباكي على اقتلاع امتداده، تقف المدارس شاهدة على الحياة، وانتصارٍ يجرؤ على النبض في قلب الجراح."
ويصف: "نفتح أبوابنا اليوم، ليس للكتب فحسب، بل للحكمة التي تعلمنا أن الجذور أقوى من الريح. فكل طفل يدخل صفه هو انتفاضة جديدة ضد النسيان، ونافذة مفتوحة على سماء لا تعترف بالجدران."
ويفيد قبها: "التعليم في جنين ليس مجرد منهاج، بل مقاومة وجودية، وإعادة بناء للذات من تحت الأنقاض. وهنا، يصبح الدفتر أرضًا، والقلم فأسًا، والمعلم قدوة في الإصرار."
ويتابع: "فلنزرع في أطفالنا أن العودة تبدأ من العقل، وأن الغد يولد في لحظة طلوع فجر جديد من رحم الليل الأطول، لعام دراسي مختلف، لكنه عام أمل لا ينكسر."
ويوالي: "بينما نقف على عتبة هذا العام الدراسي الجديد، نمسك بأيدينا جراحنا المفتوحة كاعتراف صريح بكل المعيقات التي تحاصر أحلامنا: من إغلاق الحواجز التي تلتهم أوقات التنقل، إلى نقص الكتب والوسائل تحت وطأة الحصار، إلى الخوف المشروع الذي يتسلل إلى قلوب صغارنا كلما ارتجت سماء جنين بصواريخ الغيبوبة، أو طائرات التجسس، أو رصاصات الغربان. لكننا نقبل هذا التحدي الثقيل لا كخيار نتباهى به، بل كقدر محفور في عمق هويتنا، كجذور الزيتون التي تشق الصخر، وكالنسغ الذي يجري في عروقنا رغمًا عن كل حصار، فنحوّل القلم إلى مقاومة صامتة، والدفتر إلى أرض نزرع فيها الغد، والمعرفة إلى سلاح لا تنطفئ ناره حتى لو أخمدوا كل الشموع من حولنا."
بدورها، قالت مديرة مدرسة ذكور جنين الثانية في مخيم جنين، سلام العمري، في وقت سابق، إن 3 من أصل 10 طلبة تسبب الاجتياح في تضرر دراستهم، ولكن منذ 8 كانون الأول 2024 خلق واقعًا صعبًا في مخيم جنين، وتأزم جراء النزوح في 21 كانون الثاني 2025.
وأكدت لـ"الحياة الجديدة" أن 1561 طالبًا نزحوا من المخيم، وتمكنت مدارس الوكالة من إعادة 1170 منهم إلى مدارس بديلة، العام الماضي، ضمن خطة إنعاش ودعم نفسي وتوفير مدارس جديدة ومواصلات ووجبات طعام، بعد تدخلات تعليم عن بُعد، وتصميم منهاج بديل؛ للتعويض عن الفاقد التعليمي.
وأشارت العمري إلى أن الأوضاع النفسية للطلبة النازحين كانت صعبة للغاية، وأكد لها أحد الأطفال أنه فقد 24 من أقربائه، في وقت تضم بلدة برقين وحدها نحو 600 طالب نازح.
مواضيع ذات صلة
انجاز جديد للشطرنج الفلسطيني... الحكمتان الفلسطينيتان سعاد الحداد وسارة ناصر الدين تنالان لقب حكم اتحادي دولي في الشطرنج
الرئيس يهنئ الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بإعادة انتخابه ويؤكد اعتزازه بمواقف البرازيل الداعمة لفلسطين
سناء السرغلي تجسد الأكاديمية الدبلوماسية وتنقل صوت فلسطين إلى العالم
الاحتلال يشرع بهدم منشآت زراعية وتجارية قرب قرية حداد السياحية جنوب جنين
تصاعد الاعتداءات منذ عام 2022: أكثر من 482 اعتداء منذ بدء موسم الزيتون 2026
رام الله: الاحتلال يداهم منازل في دير أبو مشعل ودير عمار وجمالا
اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية: تداعيات العدوان وتحديات الحماية والتمكين