عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 07 أيلول 2026

في حوارة.. المدرسة في مواجهة البندقية

نابلس – الحياة الجديدة- بشار دراغمة- في فلسطين، لا يبدأ العام الدراسي حين يقرع الجرس، بل يبدأ حين ينجح الطفل في الوصول إلى المدرسة، حين تعبر الحقيبة الحاجز الاحتلالي، وحين ينجو الدفتر من الطريق، وحين تبقى السارية أعلى من بندقية المحتل.

صباح أمس الأحد، توجه الطلبة إلى مدارسهم يحملون أملا جديدا إلى سنة دراسية قديمة الوجع. وكان يفترض أن تكون الحصة الأولى عن اللغة أو الرياضيات أو التاريخ.

لكن في مدرسة حوارة الثانوية للبنين، كان للنهار منهج آخر، دخل جنود الاحتلال إلى المدرسة، ليسوا طلابا تأخروا عن الطابور، ولا آباء جاؤوا ليطمئنوا على أبنائهم، دخلوا بالسلاح. ثم نظروا إلى أعلى، حيث العلم الفلسطيني المرفوع فوق سطح المدرسة.

هناك، فوق بناء أعد أصلا كي يرفع المعرفة، كان العلم وحده كافيا ليفتح مواجهة بين مدرسة وبندقية.

يقول مدير المدرسة عبد الحميد إدريس إن قوات الاحتلال أجبرت العاملين، تحت تهديد السلاح، على إنزال العلم الفلسطيني من فوق المبنى، كان ذلك، ربما، أكثر دروس الصباح قسوة، أن تمد يدك إلى رايتك، لا لتطويها في نهاية احتفال، بل لأن بندقية المحتل طلبت منها أن تنخفض.

لكن الحكاية لم تنته عند السطح، أخذ العاملون العلم إلى ساحة المدرسة ورفعوه هناك، نحو أربعة أمتار فوق الأرض، كأنهم اكتشفوا، في لحظة واحدة، أن للأعلام أيضا حق اللجوء.. وأن الراية التي ضاقت بها السماء فوق المدرسة، تستطيع أن تصنع لنفسها سماء في الداخل.

لم يعد العلم يرى حوارة من فوق، لكنه بقي يرى أبناءها، وربما كان ذلك أشد إيلاما لمن أراد إنزاله، أن تمنع رمزا من الظهور، فلا يختفي، أن تطرده من السطح، فيسكن الذاكرة، أن تنزله أمتارا، فيرتفع معنى.

هكذا استقبلت حوارة عاما دراسيا جديدا.

مدرسة تحاول أن تبدأ التعليم، فيما عليها أولا أن تدافع عن أبسط مفرداته، الباب، والساحة، والعلم، وحق الطالب في أن يكون طالبا لا شاهدا، وفق ما يقوله مدير المدرسة.

ولم يكن جيش الاحتلال وحده عند عتبة المدرسة.

يقول إدريس إن مستوطنا حاول، في اليوم الأول، إعاقة المسيرة التعليمية، في حدث يتكرر عشرات المرات خلال العام الدراسي ما يضع المدرسة في مواجهة دائمة مع المستوطنين.

على مسافة ليست بعيدة، كانت بلدة قصرة تؤدي مشهدا آخر من المفارقة الفلسطينية.

هناك جرى الافتتاح الرسمي للعام الدراسي، مسؤولون، طلبة، كلمات، بداية معلنة لسنة جديدة، لكن البلدة التي فتحت أبواب مدارسها، بقيت فيها أبواب أخرى مغلقة بالقوة.

في منطقة رأس العين في البلدة، كان حصار مفروض على ثلاثة منازل قد دخل يومه التاسع والعشرين.

وفي داخل هذا الحصار، بقيت معلمة وطفلتان خارج العام الدراسي، المعلمة تعرف صفها، وتعرف أسماء طالباتها، ربما رتبت في ذهنها جملة البداية، لكن المسافة بين بيتها والمدرسة لم تعد تقاس بالكيلومترات، إنما تقاس بمن يسمح لها أن تعبر.

وفي برقة، دخل جنود الاحتلال أيضا إلى ساحة المدرسة الثانوية للبنين في اليوم الأول.

كأن المدارس الفلسطينية، هذا الصباح، لم تكن تفتح أبوابها فقط للطلبة.. كانت تفتحها قسرا لمشهد أكبر منها، مشهد تختلط فيه الطباشير بالبارود، والجرس بأوامر جنود الاحتلال، والزي المدرسي بزي عسكري لا علاقة له بالمناهج.

وبرقة، مثل حوارة، ليست جديدة على هذه الحكاية، فقد سبق أن تعطلت فيها الدراسة تحت وطأة الاقتحامات.

لذلك حين دخل الطلبة مدارسهم هذا العام، لم تكن الحقائب وحدها تحمل ذكريات العام السابق، فالأماكن نفسها كانت تتذكر، الجدران والبوابات والأطفال.. الكل يتذكر.