البعد الأعمق لعلاقة الشعبين اليوناني والفلسطيني
باسم برهوم

بعد حصار وحرب إسرائيلية شرسة دامت ثلاثة أشهر، فُرض على ياسر عرفات ومقاتلي الثورة الفلسطينية الخروج من بيروت عام 1982. وفي حينه، أصر عرفات على أن تكون وجهته الأولى اليونان للقاء صديقه أندرياس باباندريو، رئيس الوزراء اليوناني، وأن يقدم الشكر له وللشعب اليوناني الذي أظهر تعاطفًا وتضامنًا خاصين وكبيرين مع الثوار الفلسطينيين المحاصرين في بيروت، ومع قضيتهم، التي هي قضية حرية واستقلال. هذه الزيارة بقيت حية في ذاكرة الشعبين الفلسطيني واليوناني، وهي من هذه الزاوية الرمزية أصبحت لحظة تذكّر بالعلاقة الخاصة التي تربط بين الشعبين عبر التاريخ.
مؤخرًا، وأثناء زيارتي لليونان، لمست مدى التعاطف والتضامن الاستثنائي مع الشعب الفلسطيني، الذي تشعر أن فيه طعم محبة متأصلة، وهو تعاطف يشمل كل الشعب اليوناني تقريبًا، بمن فيهم من يُصنّفون محليًا بأنهم قوى أو أحزاب اليمين. كما لمست أن التعاطف يصبح أكثر قوة، وفيه قدر كبير من الفهم العميق للقضية الفلسطينية وتاريخها، عندما تقترب من اليسار اليوناني. هذه الملاحظات تدفع صاحبها للإبحار أكثر والبحث عن معرفة أعمق والحصول على إجابات: لماذا الشعب اليوناني بمجمله متعاطف تلقائيًا مع الشعب الفلسطيني؟ بالرغم من وجود بعض ظواهر التقرب من إسرائيل مؤخرًا، ربما لأسباب تتعلق بالتطورات والتقلبات التي تجري في الخريطة السياسية والجيوسياسية في منطقة شرق المتوسط، والشرق الأوسط والعالم بشكل عام.
التقيت بالصدفة بمارغريتا، صحفية يونانية تعمل في وكالة أنباء محلية، وكان لزوجتي ليلى الفضل في إنتاج هذه الصدفة. وعلمت أن مارغريتا من أسرة يسارية تمتد جذور يساريتها عميقًا في الزمن، وبالتالي ورثت مارغريتا التضامن مع الشعب الفلسطيني والمعرفة بشأن قضيته. والمعرفة تعمقت عبر اطلاعها ومتابعتها الشخصية المباشرة. قدمت مارغريتا نفسها بأنها مستقلة لا تنتمي لأي من الأحزاب اليونانية.
مر الوقت دون أن نشعر به، خمس ساعات ونحن نتبادل الأسئلة والأجوبة. تحول اللقاء إلى جولة معرفية؛ من جانبي لأدرك إن كان تضامن الشعب اليوناني تعبيرًا عن عاطفة لحظية تتعلق بما قامت به إسرائيل من إبادة جماعية متوحشة في قطاع غزة، أم أن الأمر يتعلق بمعرفة أعمق بطبيعة الصراع والقضية الفلسطينية. ومن جانبها، كانت مارغريتا ترغب في أن تعرف أكثر عما يجري بالفعل على الأرض في فلسطين والشرق الأوسط، وتحديدًا عن الأوضاع الفلسطينية الداخلية.
ما يمكن قوله بعد اللقاء، ومن ما لمست بشكل عام، أن هناك بالفعل شيئًا خاصًا يربط الشعبين الفلسطيني واليوناني. والرابط قد يفسره التاريخ القديم والحديث، وقد يفسره شعور اليونانيين بمدى الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، والذي بلغ ذروته في قطاع غزة، مع إرهاب المستوطنين الشنيع في الضفة، وبالأساس الشعور بأن الاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني قد طال أمده، بما فيه من ظلم لا يمكن تبريره.
زيارة عرفات لليونان ولصديقه باباندريو في مطلع ثمانينيات القرن العشرين لا تزال موجودة بقوة في ذاكرة ذلك الجيل من الشعبين الفلسطيني واليوناني، وهي شاهد على العلاقة الخاصة في زمن الحرب الباردة. وما جرى بعد السابع من أكتوبر عام 2023 أعاد التذكير، وبوقع أشد، بهذه العلاقة الخاصة.
ولكن التواريخ الحديثة والمعاصرة شيء، والتواريخ القديمة شيء آخر. في تلك الأزمان القديمة، امتزجت أديان وحضارات الشرق الأوسط بالفلسفة والأساطير الإغريقية القديمة، ومن فلسطين نقلت رسالة عيسى المسيح عليه السلام للعالم بطعم اغريقي.
مواضيع ذات صلة
البعد الأعمق لعلاقة الشعبين اليوناني والفلسطيني
تاريخ عصر الزيتون – عصر التوربينات والتحول الكلي في الميكنة التصنيعية (الحلقة 5(
لا بد.. من الغضب!
ما هذا العنف؟!
من عقوبات على المستوطنين إلى عقوبات على إسرائيل
الموظف الفلسطيني يستحق الشكر والتقدير