عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 أيلول 2026

تاريخ عصر الزيتون – عصر التوربينات والتحول الكلي في الميكنة التصنيعية (الحلقة 5(

فياض فياض

شهد قطاع معاصر الزيتون في فلسطين، وفي حوض البحر الأبيض المتوسط عمومًا، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديدًا في العقد السابع، قفزة تكنولوجية هائلة غيّرت وجه الصناعة إلى الأبد. فبعد قرون طويلة ساد فيها نظام "البد" الحجري، ثم عقود من الاعتماد على المعاصر الهيدروليكية والمكابس الدائرية التي نقلت القطاع إلى الميكنة الأولى، ظهرت ثورة ميكانيكية جديدة ألغت مفهوم "الكبس" المباشر واستبدلته بمفهوم الفصل بالطرد المركزي؛ وهو ما عُرف محليًا وعالميًا بـ"عصر التوربينات".

لقد دخلت التوربينات الحديثة لتقدم حلًا جذريًا لأكبر معضلتين واجهتا المعاصر الهيدروليكية التقليدية: الوقت المستغرق، ونسبة الفاقد الكمي في خطوط الإنتاج. ففي المعاصر القديمة، كان الزيتون يمر بمراحل مجزأة ومنفصلة تتطلب جهدًا بشريًا مضاعفًا ونقلًا يدويًا للثمار المهروسة ووضعها داخل "القفف"، مما يعرّض العجينة للأكسدة المبكرة نتيجة ملامستها الطويلة للهواء، فضلًا عن صعوبة تنظيف تلك القفف الخيشية أو البلاستيكية التي كانت تتحول مع الوقت إلى بيئة خصبة لرفع مستويات الحموضة وتدهور جودة الزيت.

مع دخول التوربينات المستمرة في أواخر القرن العشرين، تحولت المعصرة إلى خط إنتاج مغلق بالكامل، يبدأ من غسل الثمار وفصل الأوراق، مرورًا بالجاروشة المعدنية السريعة، وصولًا إلى "الخلاطات" التي تعمل تحت درجات حرارة محكومة ومراقبة بدقة، لضمان عدم الإخلال بالخصائص الطبية للزيت. والابتكار الأساسي في هذا النظام يكمن في جهاز "الديكانتر"، أو جهاز الطرد المركزي الاستراتيجي، الذي يقوم بفصل مكونات العجينة (الزيت، ومياه الزيبار، والجفت) في غضون دقائق معدودة، اعتمادًا على الكثافة النوعية لكل مكوّن، دون الحاجة إلى استخدام مكابس أو قفف.

هذه النقلة لم تكن مجرد تطور في الآلات، بل كانت تجسيدًا لما نسميه اليوم في مجلس الزيتون بـ"الهندسة التصنيعية"؛ إذ أسهمت التوربينات الحديثة في تقليص الفاقد من الزيت في الجفت إلى أدنى مستوياته، وحمت الذهب السائل من الأكسدة المبكرة عبر عزله عن الضوء والهواء طوال فترة الاستخلاص. إن الانتقال إلى عصر التوربين يمثل الجسر الفني الذي عبر بقطاع الزيتون الفلسطيني من النمط الحرفي التقليدي إلى نمط الإنتاج العالمي عالي الجودة، محققًا التوازن الدقيق بين الحفاظ على الهوية التراثية للمنتج وتطبيق المواصفات القياسية الدولية الصارمة.