عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيلول 2026

من عقوبات على المستوطنين إلى عقوبات على إسرائيل

د. رمزي عودة

أعلنت بريطانيا مؤخراً نيتها فرض مزيد من العقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال عنف ضد الفلسطينيين، في ظل تصاعد الاعتداءات على القرى والتجمعات الفلسطينية في مختلف مناطق الضفة الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في نابلس وبيت لحم والخليل ورام الله.

وقد كشفت الحوادث الأخيرة في قصرة، بالقرب من نابلس، عن اعتداءات منظمة ومسلحة من قبل المستوطنين، تحت حماية جيش الاحتلال، على المدنيين الفلسطينيين؛ حيث حوصرت عائلات، ومُنعت من الحصول على الغذاء أو العلاج، كما تم اقتحام منازل وسرقة مواشٍ. وتكررت هذه الأفعال في أبو نجيم في بيت لحم، وقرى وبلدات المغير وأبو فلاح وسنجل وترمسعيا وبرقا في رام الله.

واللافت للنظر أن تصاعد هذه الأعمال أمام أعين الكاميرات دفع السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إلى وصف بعض الاعتداءات بأنها أعمال إرهابية وإجرامية، داعيا إلى وقفها ومحاسبة مرتكبيها. وتشكل هذه التصريحات موقفا لافتا من هاكابي، المعروف بمواقفه المؤيدة للاستيطان.

في الواقع، وليس فرض العقوبات على المستوطنين أمراً جديداً؛ فقد سبقت بريطانياَ دول غربية عدة، مثل فرنسا وأستراليا وإسبانيا، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية خلال إدارة بايدن، في فرض عقوبات على مستوطنين متورطين في أعمال عنف ارهابية ضد الفلسطينيين.

ولكن التطور اللافت في الموقف البريطاني يتمثل في أن العقوبات لم تعد تقتصر على أفراد، وإنما امتدت إلى كيانات ومنظمات وشبكات مرتبطة بتمويل الارهاب الاستيطاني وتمكينه وتنفيذه. وهذا يمثل تطوراً مهماً في بعض المواقف الغربية؛ لأنه ينقل المسؤولية، ولو بصورة جزئية، من ملاحقة منفذي الاعتداءات إلى استهداف بعض الجهات التي توفر التمويل والتنظيم والدعم لهذه الأعمال.

ففي يونيو/حزيران 2026، أعلنت الحكومة البريطانية فرض عقوبات على ستة كيانات وشخص واحد، في إطار إجراءات تستهدف الشبكات المرتبطة بعنف المستوطنين. كما أعلنت توجيهات للشركات البريطانية تحذرها من القيام بأنشطة اقتصادية ومالية في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة المحتلة. ومع ذلك، فإن هذا التطور، رغم أهميته، لا يزال محدوداً ما دام لا يمتد إلى الجهات الحكومية الإسرائيلية التي توفر الحماية والدعم السياسي والأمني لمشروع الاستيطان.

في هذا الإطار، يمكن القول إن العقوبات، وبرغم أهميتها، لم تكن كافية لوقف هجمات المستوطنين. ووفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1,770 اعتداء من جانب المستوطنين خلال عام 2025، أدت إلى إصابات أو أضرار في الممتلكات في أكثر من 270 تجمعاً فلسطينياً في الضفة المحتلة، بمتوسط نحو خمسة اعتداءات يومياً، وهو أعلى من المتوسط الذي كان قبل السابع من أكتوبر 2023 والذي بلغ نحو اعتداءين يومياً.

وبرغم أن رئيس وزراء الاحتلال، نتنياهو، أدان هذه الاعتداءات مؤخراً، فإن إدانته لم تكن مرتبطة بضرورة حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان، وإنما بما تلحقه هذه الهجمات من ضرر بسمعة إسرائيل الدولية وقدرتها على وقف مواصلة مشروع الاستيطان في "يهودا والسامرة"، على حد تعبيره..! ومن جانب آخر، فإن أقطابا أخرى في الحكومة الإسرائيلية تشجع هذه الهجمات وتدعمها بالسلاح والتدريب، مثل بن غفير، وزير ما يسمى بالأمن القومي الإسرائيلي، وسموتريتش، وزير المالية.

من هنا يمكن القول إن فرض عقوبات على المستوطنين والكيانات المرتبطة بهم يُعتبر خطوة جيدة، لكنه غير كافٍ للجم اعتداءات المستوطنين. وإذا كانت الدول الغربية تريد فعلا حماية الشعب الفلسطيني في الضفة الفلسطينية المحتلة، فعليها أن تنتقل إلى فرض عقوبات على إسرائيل نفسها. وما يدفعنا إلى هذه النتيجة عدة أسباب:

أولاً: إن ما تقوم به جماعات المستوطنين من اعتداءات ضد الفلسطينيين يتم في كثير من الحالات تحت حماية جيش الاحتلال وبالتنسيق معه، أو في ظل عدم قيام قوات الاحتلال بمنع هذه الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها.

ثانياً: إن حكومة الاحتلال تشجع هذه الأعمال من خلال مشاركة بعض أقطاب الحكومة وأعضاء الكنيست في دعم المستوطنين، بما في ذلك خلال الاعتداءات على القرى والبلدات الفلسطينية، كما حدث في قصرة وحوارة وغيرهما.

ثالثاً: إن حكومة الاحتلال تقوم علناً بتسليح المستوطنين وتدريبهم على استخدام السلاح، وهو ما ساهم في توسيع دائرة الاعتداءات والسيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية.

رابعاً: إن الحكومة الإسرائيلية تواصل استحداث المستوطنات والبؤر الاستيطانية الجديدة في الضفة الفلسطينية المحتلة، والعمل على "شرعنة" البؤر الاستيطانية وفق القانون الإسرائيلي، إضافة إلى الدفع باتجاه إنشاء آلاف الوحدات الاستيطانية وتطوير منطقة E1 شرق القدس المحتلة. وهذه السياسات تشكل رسالة واضحة إلى المستوطنين للاستيلاء على مزيد من الأراضي وتهجير الفلسطينيين من مناطقهم.

خامساً: إن جماعات المستوطنين تحصل على تمويل ودعم من جهات حكومية إسرائيلية، ولا يقتصر هذا الدعم على وزارة المالية، وإنما يشمل جهات ومؤسسات حكومية وأمنية أخرى.

وفي النتيجة، فإن المشكلة لا تكمن فقط في أفراد من المستوطنين يرتكبون الاعتداءات، وإنما في منظومة سياسية وأمنية ومالية تسمح باستمرار الاستيطان والعنف المرتبط به. ولذلك فإن العقوبات الفردية، حتى عندما تتوسع لتشمل بعض الكيانات والشبكات، ستظل محدودة الأثر ما لم تستهدف الجهات التي توفر الغطاء والدعم لهذه السياسات.

إن التطور البريطاني في الانتقال من استهداف الأفراد إلى استهداف بعض الكيانات والشبكات يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن إذا كانت الدول الغربية جادة في حماية الفلسطينيين ووقف الاستيطان، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون توسيع نطاق المساءلة لتشمل دولة الاحتلال والمؤسسات التي توفر الغطاء السياسي والأمني والمالي لاستمرار هذه السياسات. فالقضية في نهاية المطاف ليست قضية مستوطنين منفردين، وإنما قضية سياسة دولة ومنظومة استيطان مستمرة؛ ولذلك فإن الرد عليها يجب أن يتجاوز الأفراد والكيانات إلى مساءلة الدولة نفسها وفرض العقوبات عليها.