خطة "الانفصال 710": صناعة "البيئة الطاردة" في غزة وهندسة التهجير بين العقائدية والاستثمار الانتخابي
د. باسم خضر التميمي*
في خطوة تعكس بوضوح مدى الراديكالية المتصاعدة داخل الخارطة السياسية الإسرائيلية، طرح وزير الأمن القومي وزعيم حزب "القوة اليهودية"، إيتمار بن غفير، مقترحًا يحمل دلالة رمزية تحت اسم "خطة الانفصال 710".
هذا المشروع، الذي يدعو صراحة إلى تفريغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين تحت مسمى "الهجرة الطوعية" على مدار سبع سنوات، لا يمكن قراءته بمعزل عن حسابات الصناديق لانتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر 2026. غير أن البعد الأكثر خطورة للمخطط يكمن في توقيته الحرج؛ إذ يأتي بالتزامن مع واقع كارثي صنعه جيش الاحتلال بفعل التدمير الممنهج، محولًا القطاع إلى مكان "غير قابل للحياة الآدمية"، وفقًا لتقارير المؤسسات الدولية.
فما هي الأبعاد الخفية الكامنة وراء هذا المقترح؟ وكيف تصف الأرقام الأممية واقع "استحالة البقاء" الذي يستثمر فيه بن غفير سياسيًا؟
الأهداف الخفية.. مأسسة التطهير العرقي بغطاء دبلوماسي
إن مصطلح "الهجرة الطوعية" ليس سوى الالتفاف اللغوي والقانوني الذي يُخفي وراءه استراتيجيات بالغة الخطورة؛ حيث تتصدر الهندسة الديموغرافية الكاملة أولويات هذا المقترح عبر استهداف تهجير نحو 1.86 مليون فلسطيني، في مسعى لتصفية ما تصفه الدوائر الأمنية الإسرائيلية بـ"العبء الديموغرافي" لغزة نهائيًا، والتخلص من الكثافة السكانية التي طالما صُنّفت تهديدًا وجوديًا طويل الأمد للاحتلال.
وفي مقابل هذا المسعى الديموغرافي، تبرز غاية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في تقويض إرث انسحاب عام 2005 وإعادة الاستيطان؛ إذ يحمل اختيار اسم "الانفصال" في عنوان المخطط دلالة أيديولوجية واضحة، تسعى من خلالها الصهيونية الدينية إلى محو مفاعيل الخطة التي نفذها رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون، وتحويل تفريغ الأرض إلى جسر ممهد لإعادة بناء الكتل الاستيطانية وفرض سيادة جغرافية مطلقة على القطاع.
ولعل الجوهر التنفيذي والأكثر دهاءً في هذا الطرح يكمن في توظيف الكارثة الإنسانية كأداة ضغط لصناعة "بيئة استحالة الحياة"؛ حيث يُراد للحصار والتدمير الممنهج أن يعملا كأدوات لـ"تهجير قسري غير مباشر"، فبدلًا من الطرد المباشر الصاخب بقوة السلاح، تُترك تفاصيل الحياة اليومية في غزة لتطرد سكانها مجبرين تحت وطأة الانهيار الكامل لمقومات البقاء البشري.
الأرقام تتحدث.. قطاع غزة ساحة غير قابلة للحياة الآدمية
لتأكيد الخلفيات العميقة لهذا المقترح، كشفت التقارير التقييمية الشاملة الصادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، بالإضافة إلى منظمة اليونيسف، عن مؤشرات مرعبة تبرهن على أن استحالة الحياة في غزة باتت واقعًا رقميًا مفروضًا؛ إذ تراجع مؤشر التنمية البشرية في القطاع بمقدار 77 عامًا إلى الوراء، بالتزامن مع انكماش حاد للاقتصاد بلغت نسبته 84%.
وينعكس هذا التراجع الهيكلي بصورة مباشرة على البنية السكنية التي شهدت تدمير أو تضرر أكثر من 371,000 وحدة سكنية، مما أسفر عن تشريد ونزوح نحو 1.9 مليون شخص، أي ما يعادل 90% من السكان، يعيش الغالبية الساحقة منهم في ملاجئ وخيام تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان الصحي والنظافة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت الأدوات الممنهجة لتصفية القطاعين الصحي والتعليمي؛ فباتت أكثر من نصف المستشفيات خارج الخدمة تمامًا، وتضررت المدارس بشكل شبه كلي، مما حرم مئات الآلاف من الأطفال من حقوقهم الأساسية وجعل الاستقرار العائلي أمرًا مستحيلًا.
وفي موازاة ذلك، فرض الاحتلال سلاح العطش وتدمير البيئة عبر استهداف 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، لتشير بيانات اليونيسف إلى أن 82% من الأسر تعاني اليوم من انعدام الأمن المائي الحاد، بينما يضطر 98% من النازحين للعيش على مسافات خطرة وملاصقة لمكبات النفايات ومصبات الصرف الصحي المكشوفة.
وتكتمل هذه الحلقة الخانقة بتدمير السلة الغذائية والمنظومة الزراعية، حيث تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة أن 3% فقط من الأراضي الزراعية في غزة بقيت صالحة ومتاحة لإنتاج الغذاء.
تكشف هذه الأرقام، التي تُقدّر تكلفة إعادة الإعمار لمواجهتها بـ71.4 مليار دولار على مدار العقد القادم، أن "طوعية الهجرة" التي يتحدث عنها بن غفير هي نتاج تدمير منظم ومقصود لمقومات الحياة.
التوقيت والانتخابات.. الهروب من الفشل إلى المزايدة السياسية
لا يمكن فصل توقيت الإعلان عن هذه الخطة عن الحسابات الحزبية الضيقة مع اقتراب معركة انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر 2026؛ إذ يتضح جليًا أن المقترح يستهدف بالدرجة الأولى استقطاب الشارع اليميني ومغازلة جمهور المستوطنين. وفي ظل تقارب استطلاعات الرأي واشتداد المنافسة بين المعسكرات السياسية، يتخذ بن غفير من دماء ومأساة غزة مادةً دعائية رئيسية لضمان ولاء غلاة المتشددين، حارمًا منافسيه في معسكر اليمين التقليدي من الاستئثار بكتلتهم التصويتية الحرجة.
وبالتوازي مع هذا الاستثمار الانتخابي، يبرز مسعى آخر يتمثل في محاولة الهروب من استحقاق المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، وبدلًا من أن يقف بن غفير في موقع الدفاع والمحاسبة عن القصور الأمني الفادح، بصفته وزيرًا للأمن القومي، يعمد إلى الهجوم الاستباقي عبر تسويق "رؤية مستقبلية راديكالية" تصرف الأنظار عن الفشل، وتحوله في وعي ناخبيه من مسؤول مقصر إلى "مُخلّص" يحمل الحلول الجذرية.
ولا تقتصر أبعاد التوقيت على الدعاية الآنية، بل تمتد إلى طموح فرض شروط مسبقة وثقيلة على الائتلاف الحكومي القادم؛ حيث يدرك بن غفير جيدًا أن أي حكومة يمين قادمة لن ترى النور دون مقاعد حزبه "عوتسما يهوديت". ومن هنا، فإن دفع مقترح رسمي لإنشاء "وزارة خاصة بالتهجير" في هذا التوقيت بالذات يمثل وضعًا لحجر الأساس لملف المفاوضات الائتلافية، فارضًا على بنيامين نتنياهو أو أي حليف مستقبلي تبني هذه الأجندة المتطرفة كشرط مسبق وبند أساسي لدخول الحكومة.
إن خطة "الانفصال 710" التي يروج لها إيتمار بن غفير ليست مجرد بالون اختبار سياسي عابر، بل هي تجسيد لرؤية عقائدية يسعى اليمين المتطرف إلى تحويلها إلى سياسة حكومية رسمية؛ مستغلًا في ذلك أهوال بيئة طاردة للحياة صنعتها الحرب الإسرائيلية، وفي الوقت ذاته، حمى التنافس على صناديق الاقتراع.
إن الأرقام الدولية الصادمة المستعرضة تفضح بشكل قاطع زيف ودموية "الخيار الطوعي"، وتؤكد أنها محاولة مكشوفة لبيع الوهم الأمني للناخب الإسرائيلي على حساب دماء وحقوق ومستقبل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي لمواجهة مشاريع التطهير العرقي المغلفة بمزاعم إنسانية وأقنعة دبلوماسية.
---------------
دكتوراة في العلوم السياسية
مواضيع ذات صلة
البعد الأعمق لعلاقة الشعبين اليوناني والفلسطيني
تاريخ عصر الزيتون – عصر التوربينات والتحول الكلي في الميكنة التصنيعية (الحلقة 5(
لا بد.. من الغضب!
ما هذا العنف؟!
من عقوبات على المستوطنين إلى عقوبات على إسرائيل
الموظف الفلسطيني يستحق الشكر والتقدير