سلسلة تاريخ عصر الزيتون: ثورة "رافاناس" الهيدروليكية في القرن الـ 19 ومعادلة تعظيم الجفت (الحلقة 3)
فياض فياض

أول شخصية عربية حائزة على جائزة "رافاناس" الدولية من مؤسسة رافاناس الإيطالية
تابعنا في الحلقات السابقة كيف تطورت هندسة استخراج "الذهب السائل" في فلسطين من الفترات الصخرية البدائية وصولاً إلى عهد معاصر الحجر التقليدية المعروفة بـ"البد". واليوم، نقف عند محطة تاريخية فارقة في القرن التاسع عشر، شكلت الثورة الميكانيكية والهيدروليكية الحقيقية لقطاع معاصر الزيتون في العالم، وهي الثورة التي ارتبطت تاريخياً بظهور المخترع الإيطالي الفذ "السيد رافاناس " (Ravanas)، الذي أدخل المكابس الحديدية والهيدروليكية والماكينات المتطورة لتعوض الجهد البدني والحيواني القديم، محققاً قفزة مذهلة في كفاءة الاستخلاص وضغط السوائل.
ولأن التاريخ يربط الطموح بالإنجاز، فقد كرّمت مؤسسة رافاناس الإيطالية العريقة (والتي يعد اتحاد المزارعين الإيطالي أحد أعضائها البارزين، الذي يضم في عضويته، 250 ألف مزارع) هذا الإرث التاريخي بمنح جائزة دولية رفيعة تحمل اسم هذا المخترع الفذ. وكم كان فخري واعتزازي كبيراً كفلسطيني عندما شرفتُ بأن أكون أول شخصية عربية على الإطلاق تنال هذه الجائزة الدولية المرموقة من قلب إيطاليا، تقديراً لعقود من العمل الدؤوب في تطوير ونشر ثقافة الجودة والبناء الهندسي لقطاع الزيتون.
إن ثورة "رافاناس" في القرن التاسع عشر، ورغم أنها رفعت كفاءة إنتاج عصير الفاكهة، إلا أنها وضعتنا أمام كميات ضخمة من المخلفات الصلبة المعروفة بـ الجفت". وفي عصرنا الحالي، وتطبيقاً لمنظومة "تعظيم قيمة المخلفات باستخدام المكننة والابتكار"، قمنا بإجراء تحليل مالي واقتصادي صارم لطن الجفت في فلسطين، مستندين إلى المعايير المخبرية التي تشير إلى أن متبقيات زيت الزيتون في الجفت المحلي تتجاوز الـ10 % بسبب غياب الضبط الهندسي الكامل في بعض المعاصر.
وفي فلسطين، يباع طن الجفت الرطب في أرض المعصرة بسعر زهيد لا يتعدى200 شيقل (ما يعادل 70 دولاراً تقريباً)، وهو سعر يعتبر مرتفعاً مقارنة بالدول الأخرى. ولكن، إذا قمنا بتحليل طن واحد من الجفت ميكانيكياً وكيميائياً بناءً على الأسعار العالمية ومكوناته الثلاثة (الزيت، الخشب، واللحمة)، سنجد المفاجأة الرقمية التالية:
|
المادة المستخلصة |
النسبة المئوية |
الكمية (كغم) |
السعر العالمي للطن ($) |
المبلغ المتحصل (دولار) |
|
الزيت |
10% |
100 كغم |
3000 $ |
300 $ |
|
الخشب (العجمة المفتتة) |
45% |
450 كغم |
125 $ |
56 $ |
|
اللحمة (القشرة اللبية) |
20% |
200 كغم |
70 $ |
14 $ |
|
الماء (الرطوبة والمياه) |
25% |
250 كغم |
0 $ |
0 $ |
|
المجموع الإجمالي |
100% |
1000 كغم |
3225 $ |
370 $ |
يظهر لنا هذا الجدول العلمي بوضوح، كيف أن المكننة والتوربينات الحديثة قادرة على رفع القيمة الاقتصادية لطن الجفت من 70 دولاراً فقط إلى 370 دولاراً! بل إن هذه القيمة ستتضاعف إلى أرقام فلكية إذا ما وجهنا هذا الزيت المستخلص (100 كغم) نحو صناعات تحويلية سيادية كـ الصابون النابلسي الأصيل، وهو صميم الرؤية التطبيقية التي طرحناها مؤخراً وتبنتها جامعة نابلس للتعليم المهني والتقني كأحد التوصيات في مشروعها الدولي (SUST-OLIVET).. وخاصة إذا علمنا أن كمية الجفت الناتجة عن عمليات العصر هي 45 الف طن.
إن قصة عصر الزيتون تثبت لنا أن ثورة "رافاناس" التي بدأت في القرن التاسع عشر ميكانيكياً، يجب أن تكتمل اليوم تكنولوجياً واقتصادياً لضمان استغلال كل ذرة بركة في هذه الشجرة السيادية، وتحويل العبء البيئي إلى ثروة وطنية عابرة للحدود.
في الحلقة القادمة سنتحدث بالتفصيل عن طفرة القرن العشرين ودخول معاصر "الطرد المركزي" والتكنولوجيا المستمرة (الأتوماتيك)، وكيف تخلصت الهندسة الحديثة من "الشاميات" لتدخل عصر الفولاذ المقاوم للصدأ (الستانلس ستيل).
مواضيع ذات صلة
الشرق الأوسط وحروبه.. وحروب الآخرين
سلسلة تاريخ عصر الزيتون: ثورة "رافاناس" الهيدروليكية في القرن الـ 19 ومعادلة تعظيم الجفت (الحلقة 3)
من إرث "الإرغون" إلى "دويلة المستوطنين"!
طائرة ورقية.. ومعنى آخر
سلسلة تاريخ عصر الزيتون.. "البد" وتاريخ المعاصر الحجرية (الحلقة 2)
العناق.. بالذراعين!
الضفة الفلسطينية المحتلة والانتخابات الإسرائيلية.. هل يسبق الضم صناديق الاقتراع؟