الشرق الأوسط وحروبه.. وحروب الآخرين
باسم برهوم

عندما تستقر كل مناطق العالم الأخرى تبقى الحروب مشتعلة في الشرق الأوسط، حروبه وحروب الآخرين عليه، ليس هناك حاجة أن نفتح كتب التاريخ ونقرأ لندرك أن هذه الحقيقة موجودة، لأننا نعيشها جيلا بعد جيل، وإن كان لدى سكان الشرق الأوسط المعاناة نفسها، ولكن هناك مناطق منكوبة في الحروب أكثر من غيرها، وفي مقدمتها فلسطين، وفي العقدين الأخيرين كان قطاع غزة أكثر من أصابته الحروب بمقتل. غالبا ما كانت نِعَمُ الشرق الأوسط نقمة عليه، الموقع الإستراتيجي المهم، والذي من النادر أن يشاطره أي موقع آخر في العالم بالأهمية، وعندما اكتشفت ثرواته، النفط والغاز وغيرها في القرن الماضي، تحول إلى ساحة للتنافس والحروب والصراعات من منطق المصالح، وتحول الشرق الأوسط إلى ساحة لحروب الآخرين عليه.
ولكن هل بالإمكان تخيل الشرق الأوسط بدون إسرائيل؟ هذا السؤال أكثر من مبرر، لأن وجودها جلب الغالبية العظمى من حروب الشرق الأوسط خلال المئة عام الأخيرة، وباستثناء حرب السويس عام 1956، والتي كانت إسرائيل طرفا فيها، فهي جاءت تعبيرا عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، بأفول الاستعمارين البريطاني والفرنسي، أما ما تبقى من الحروب فهي عمليا حروب إسرائيل، أو حروب أرادتها إسرائيل أو من أجل إسرائيل.
نكرر السؤال: كيف يمكن تخيل الشرق الأوسط بدون إسرائيل؟ على الأغلب لكنا نَعِمنا بسنوات أطول بكثير من الاستقرار والتنمية، ولكنا حولنا الثروة إلى رفاه بمقادير أكبر بكثير.
لنبدأ بحرب العام 1948 التي أسست إسرائيل وألغت وجود فلسطين، ثم حرب العام 1967 التوسعية، وحرب العام 1973 وهي الحرب الوحيدة التي أطلقتها الدول العربية بهدف وضع حد للتوسع الإسرائيلي، ثم حرب إسرائيل على لبنان عام 1982 لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية منه. قد تبدو الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين لا علاقة لإسرائيل بها ولكن في واقع الأمر كان لإسرائيل مصلحة حيوية باندلاعها واستمرارها أطول مدة ممكنة، لكونها تستنزف طرفي الحرب العدوين اللدودين لها، أما حرب الخليج الأولى، التي نجمت عن احتلال صدام حسين للكويت عام 1990 - 1991، فلم تقدم أي حرب خدمة لإسرائيل كما قدمت تلك الحرب، حيث هيمنت الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الإستراتيجي لإسرائيل على المنطقة، والتي توجت باحتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق في العام 2003.
وإلى جانب حروب إسرائيل الصغيرة على لبنان، أمثال "عناقيد الغضب" وغيرها، في تسعينيات القرن الماضي، فإن التوتر الفلسطيني - الإسرائيلي تواصل بعد اتفاقيات أوسلو، بسبب اليمين المتطرف الإسرائيلي، وبسبب حماس في الجانب الفلسطيني، وهي مرحلة انتهت بفشل قمة كامب ديفيد التي عقدت بحضور الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية أميركية عام 2000، والتي تسبب فشلها باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وما تخللها من إعادة احتلال للضفة في عملية "السور الواقي" بقيادة شارون عام 2002.
أما حروب قطاع غزة، والتي انتهت بـ"الطوفان" وحرب الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر عام 2023 والتي لا تزال مستمرة، فقد بدأت مع سيطرة حماس على القطاع عام 2007، ومنذ ذلك التاريخ جرت 7 حروب إسرائيلية على قطاع غزة. خسر خلالها الشعب الفلسطيني أكثر من 300 ألف شهيد وجريح، وتم تدمير القطاع تدميرا شبه كامل، وأعادت إسرائيل احتلال معظمه.
ومنذ السابع من أكتوبر، كانت الحروب مستمرة مع لبنان واليمن وطالت سوريا، والعراق، إلى أن وصلنا إلى الحرب الأميركية الإيرانية التي اندلعت في شباط/ فبراير الماضي ولا تزال مستمرة. والحرب المشار لها، وإن بدت أنها جاءت لتحقيق أهداف أميركية، وهي بالفعل كذلك، إلا أنها حرب إسرائيلية بامتياز، فقد جاءت لتلبية مصالح وحاجات إسرائيل مباشرة وغير مباشرة.
ومع حديثنا عما أحدثه وجود إسرائيل من اضطراب وحروب، فإن أطرافا إقليمية عديدة حاولت أن تستفيد من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، والعربي- الإسرائيلي للتمدد كما تفعل إيران وغيرها في المنطقة، ما عمق من الأزمات وأطلق مزيدا من الحروب. كما أن كل الحروب الجانبية، الحرب الأهلية اللبنانية التي انفجرت عام 1975، وثورات الربيع العربي، وتحول دول عربية عدة إلى دول فاشلة، فإنها ترتبط بإسرائيل.
الشرق الأوسط الذي يمثل بوابة الغرب على الشرق، والعكس صحيح، والذي كان هكذا عبر التاريخ، فلم يسعف هذه المنطقة أنها هي من منح العالم الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، فهذه الأديان حوَّلها البشر لمادة إضافية للصراع والحروب بدل أن تكون أديان محبة وتسامح.
عندما حُوِّلت الأساطير والأديان إلى مادة لتغذية الصراعات خدمة لمصالح الأطراف المهيمنة في كل زمن. وعندما حُوِّلت نِعَم الشرق الأوسط إلى نقمة دائمة، فالسؤال الأهم اليوم: كيف يمكن أن نحوِّل الشرق الأوسط إلى منطقة تلاقي الحضارات وليس ساحة لصدامها؟ هل هذه الإمكانية قابلة للتحقيق؟ سؤال بحاجة لنقاش أوسع.
مواضيع ذات صلة
الشرق الأوسط وحروبه.. وحروب الآخرين
سلسلة تاريخ عصر الزيتون: ثورة "رافاناس" الهيدروليكية في القرن الـ 19 ومعادلة تعظيم الجفت (الحلقة 3)
من إرث "الإرغون" إلى "دويلة المستوطنين"!
طائرة ورقية.. ومعنى آخر
سلسلة تاريخ عصر الزيتون.. "البد" وتاريخ المعاصر الحجرية (الحلقة 2)
العناق.. بالذراعين!
الضفة الفلسطينية المحتلة والانتخابات الإسرائيلية.. هل يسبق الضم صناديق الاقتراع؟