عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 أيلول 2026

من إرث "الإرغون" إلى "دويلة المستوطنين"!

سؤال عالماشي- موفق مطر

المصادفات في عالم الصراعات السياسية الداخلية نادرة، فكل قرار، أو إعلان عن قضية أو مشروع، أو تصريح، أو فعل، يتزامن مع وقائع ملموسة، يحمل في طياته أهدافًا وأبعادًا سرعان ما تنكشف، رغم محاولات هذا الطرف أو ذاك التمويه على أهدافها الحقيقية.

ويدخل إعلان جهات رسمية لدى حكومة منظومة الاحتلال الإسرائيلي، في الرابع والعشرين من الشهر الماضي (أغسطس/آب)، عن العثور على حطام سفينة «ألتالينا» سليمًا في قاع البحر الأبيض المتوسط، على بُعد حوالي 20 كيلومترًا من سواحل تل أبيب، وعلى عمق 503 أمتار، كمادة انتخابية — أو هكذا تبدو للوهلة الأولى — بين أحزاب ستدخل الانتخابات للكنيست في نهاية أكتوبر/تشرين الأول القادم، بتنافس هو أقرب إلى لحظات مصيرية ستحدد مستقبلها عمومًا، ومصير رؤسائها السياسيين على المستوى الشخصي.

وهذا ما فعله إيتمار بن غفير، رئيس حزب «عظمة يهودية»، أو في مسمى آخر «قوة يهودية»، ووزير الأمن الداخلي، بالإعلان عن اكتشاف مكان السفينة دون تنسيق مسبق مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ثم تدخل الصحافة الإسرائيلية في الكشف عن النوايا، ومنها مثلًا: «إنشاء نصب تذكاري عائم أو مركز للتراث البحري»، لتخليد ذكرى هذه السفينة، التي يعرف الإسرائيليون والعالم كله أسباب إغراقها، وملخصها أن أول رئيس لإسرائيل، بعد إعلان إنشائها سنة 1948، ديفيد بن غوريون، قد قرر إغراقها سنة 1949، بما كانت تحمله من عتاد عسكري لصالح منظمة «إرغون» (الإيتسل) السرية، التي كان يقودها مناحيم بيغن، الذي أصر على تمكين منظمته الإرهابية من الأسلحة وتوزيعها.

أما بن غوريون، فكان يسعى لمنع وجود أي تشكيلات مسلحة، وحصر السلاح بيد الجيش الإسرائيلي.

والسؤال الآن: هل تشهد منظومة الاحتلال والاستيطان العنصرية، إسرائيل، صراعًا جديدًا على معنى ومفهوم الدولة وكيفية ترسيخ قواعدها؟!

فهذا الوزير بن غفير، المنبوذ دوليًا بحكم قيادته المباشرة لإرهاب وجرائم المستوطنين، قد وجد ضالته في إرث مناحيم بيغن لشرعنة برنامج «إرهاب الاستيطان»، وتسليح جماعات ومنظمات المستوطنين، الذين منحهم صفة «الأبطال»، رغم تعارض موقف بيغن حينها مع منطق «حصرية السلاح»!

وبتبني هذا الإرث الإرهابي لرئيس حكومة إسرائيلية، حدثت في عهده مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982، سيدخل بن غفير الانتخابات القادمة مستندًا إلى قواعد المستوطنين، الذين حاول نتنياهو عبثًا تصنيفهم تحت عنوانين:

«ملتزمون بالقانون» و«مثيرو شغب».

وهو يعلم يقينًا أن الاستيطان بحد ذاته جريمة حرب وفقًا لنصوص القانون الدولي، ما يعني أننا أمام صراع على اكتساب أصوات المستوطنين.

ولكن، هل يحاول نتنياهو امتصاص رد الفعل الدولي عمومًا، والتهديد الأوروبي بالعقوبات إثر الهمجية التي أبرزها المستوطنون في اعتداءاتهم على المواطنين الفلسطينيين المدنيين العزل، أصحاب الأرض تاريخيًا؟ أم أنه يواجه بالفعل انقلابًا يحضّره الثنائي بن غفير وسموتريتش، الذي منح جريمة الحرب التي ترتكبها دولته صفة «ثورة الاستيطان»، بقصد الاستيلاء على كابينة القيادة السياسية في إسرائيل، التي قد تمكنهم من إخضاع الجيش باستخدام منطق «الدولة الديمقراطية»؟

هذا الجيش الذي يُظهر في وسائل الإعلام موقفًا متناقضًا مع مواقفه في الميدان، فكل تحركات وجرائم المستوطنين الإرهابيين الهمجيين تجري تحت حمايته، ولم يمنع ولو مرة واحدة — بحكم مسؤوليته كجيش دولة قائمة بالاحتلال — المستوطنين من الوصول إلى أهدافهم، إضافة إلى جرائم الإبادة التي نفذها ضباطه وجنوده بأوامر من قيادته العليا.

فتصريحات قادته اليوم، المتسقة مع تصريحات رئيس حكومة دولة الاحتلال نتنياهو، يمكن تفسيرها من باب تكسير موجة الغضب الدولية بسبب جرائم المستوطنين، ولكن لا يُستبعد إدراك قادة الجيش، فيما يسمى «الدولة العميقة»، لخطر صراعات داخلية تتجاوز التنافسات الحزبية الانتخابية، لتصل إلى حد صراعات مسلحة وانقسامات، ستؤدي حتمًا إلى ظهور «دويلة مستوطنين».

ولا يلوح في الأفق ما يمنع ذلك، ما دام المجتمع السياسي الإسرائيلي يكف بصره عن نهج السلام!

وربما تحدد نتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة ملامح الطريق الذي ستسلكه إسرائيل، إما التهور والاندفاع نحو الهاوية بسرعة، أو التعقل، الذي لا يعني بالنسبة لنا سوى الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والسيادة في دولة وعاصمتها القدس الشرقية.