عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 آب 2026

العناق.. بالذراعين!

تغريدة الصباح – حسن حميد

يا الله!

كم هم بادون في همجيتهم، ودمويتهم، وعنصريتهم!

وكم هم واضحون في حقدهم، وعمائهم، وكذبهم!

وكم هم بلا حياء، بلا أخلاق، بلا إنسانية، بل ضمير.. وفي وضح النهار!

إنهم يكتبون، ويقولون، ويحاورون، ويعترفون، ويجهرون، ويكشفون، ويبدون، ويتباهون، ويتيهون، ويجيبون، ويوضحون، ويقرّون.. بأنهم يفعلون كل هذه القباحات في بلادنا الصغيرة، الناحلة، التي جسدها أشجار الزيتون، والبرتقال، والملول، والسنديان، والخروب؛ وبيوتها عتبات، وأدراج، وقناطر، ونوافذ للضوء، وأبواب للترحاب، وسقوفها أعشاش للطيور، وحواكيرها لوحات لألوان الله السبعة؛ ودروبها تمر بالمروج، والزهور، وأعشاب النجيل، والينابيع، والغدران، وأشجار السدر، والغار، والطيون؛ وحدودها البحار العوالي، والأنهار الزينة، وحقول قصب السكر، وتلال الملح، وساحات طراد الخيول، وأعمدة الرخام التي استظل بها طلاب الأسئلة الباحثون عن المعاني والأسرار؛ وحدودها أيضًا الرمل الشارق مثل ذهب عتيق يكاد، لولا الحياء، ينطق جهرًا: أنا الذهب، أنا البركة!

إنهم، وبكل العنصرية والكراهية، يفعلون الأعاجيب التي لا تليق بالفعل البشري. إنهم يقتلون الأطفال وهم في نومهم اللذيذ في أحضان الأمهات، أو نومهم الملائكي في حواضن المشافي، أو وهم في وقوفهم الصباحي يرددون نشيد: «بلادي، بلادي»، الصاعد مع صعود الشمس، ولا أحد حولهم سوى أساتذتهم، والهدوء العميم، والطيور التي حطت لتسمع رنين الغناء الرحيب لبلاد كانت، وصارت رحابتها أكثر من مساحتها، وأكثر من حدودها، والنساء والصبايا الذاهبات إلى الينابيع رفوفًا، يتمهلن، فيقفن في وسط الدرب، وقد أوقفتهن قولة التلاميذ الصغار: «بلادي، بلادي.. لك حبي وفؤادي!»

ها هم جنودهم، بثيابهم الخشنة، وأسلحتهم المخيفة، بادون في الصور، وبجلاء، أصحاب كيد وحقد. إنهم يشعلون النيران في ثياب الأمهات اللواتي يلدن في المشافي، واللواتي ولدن الأجنة تواً، واللواتي ينظفن الأجنة مما علق بعيونهم، وقد راحت تترامش لترى نور الله، والشفاه التي تهم بقول: «مرحبًا أيتها الحياة». إنهم، في الصور، أصحاب لامبالاة وغرور وصلف، وهم يدمرون البيوت التي أحاطت بها الحواكير، ومشاتل الزنبق الذي يتطاول ليلًا ليبهج الناس نهارًا، ويقتلون الأغنام والأبقار والكلاب والحمير والبغال والخيول الهميمة النشطة؛ لأن الصباح ينهض ويتقدم ويبتسم! يقتلونها كي لا تتعلم العودة.. إلى البيت!

إنهم، ولطيش آخذهم، حتى صار ثقافتهم، ولعنصرية تشبعوا بها كي تصير حياتهم، يسممون الهواء بروائح البارود والدخان، كي لا تبدو قرى الطيور المحلقات في سماوات نابلس، والنقب، والخليل، وطبريا، وأريحا، وشواطئ عكا، وحيفا، ويافا، وعسقلان، وغزة، ورفح؛ إنهم، وبسبب طباعهم الشناءة، يحرقون العشب المندى، وهو ينادي الأطفال والعشاق والرعاة والطيور؛ إنهم، وبسبب فائض القوة، يسقطون قناطر الجسور، والقصور، والبيوت، لأنها ترخي ظلالها رغمًا عنهم. إنهم يخلطون البارود بالنار ليلًا، كي يقتلوا به، وفي الصباح الباكر، كل صاحب عافية، ومنجل، وكتاب، ونشور، ورجاء، وحلم!

إنهم، وعلى مرأى من العالم كله، يكتبون، ويقولون، ويبدون، ويتيهون، ويجيبون، ويوضحون، ويقرّون.. بأنهم يعملون، ويتعلمون، ويقرؤون، ويسعون، وينقبون، ويسطرون، ويرسخون، ويمحون، ويعيدون، ويراجعون، ويدققون، ويضبطون كل شيء من أجل إتمام الإبادة الجماعية للفلسطينيين، وإغلاق ملف موت شعب، والكتابة بالخط العريض: كان ذلك بفعل عقولنا، وأيدينا، وقراءتنا، وعقائدنا، وما امتلأت به قلوبنا. إنهم يتباهون بأنهم يقتلون، ويدمرون، ويطردون، ويهجرون، ويمحون القرى، والمدن، والمدارس، والمشافي، والحقول، والدروب، ودور العبادة، والجمال، والفنون، ويعترفون بأنهم يحرقون كتب الجغرافيا، والتاريخ، والاجتماع، والقيم، واللغات، والعقائد، والحكمة، والأخلاق، والتربية، والميثولوجيا، والأنثروبولوجيا، والأساطير، والمرويات العتيقة التي هي الوجه المضيء للتعب الجميل، كيما يقولوا، بعد تنهيدة طويلة طويلة طويلة: "انتهى كل شيء، مات الفلسطينيون"!

وهم لا يدركون أنهم في غفلة مجنونة، طويلة، عريضة، هي عاصفة من غباء، وأن التاريخ دورات، والحضارات دورات، وأن الحق حق وإن لفّته العتمات، وأن الشعوب لا تموت؛ لأن الشعوب هواء، وتراب، وضوء، وغابات، وولادات، وكتب، وعمران، وقراءات متلاحقة، وأفعال تترى، وأن القوة صوت غضب وحسب، وسوف ينتهي هو.. وصداه!

وهم لا يدركون، رغم كل ما كدسوه من أدوات القتل، أنّ الرهان الفلسطيني كان ولا يزال على الذاكرة، والوعي، والصبر، فهذا الشعب الفلسطيني مثل (أوليس)، الذي رفض أن يأكل نباتات اللوتس العائمة على وجه الماء، رغم الجوع، وأوصى رفاقه ألا يأكلوها لأنها تؤدي إلى النسيان!

وهذا الشعب كتب مدونته منذ أيام الأجداد، نقوشًا على الحجارة، وصفائح النحاس، وقبلًا على رقائق الحجارة، من أجل مساهرة الوعي، ومعرفة ما يدبّر ليلًا، ومن أجل الوقوف على الأسرار. وهذا الشعب الفلسطيني يجري في دم أبنائه الصبر، وهو اليوم عناد وطني توارثته الأجيال ككتاب ثمين جليل.

وبعد هذا كله، وبسببه، يصرخ طفل فلسطيني بقولته: كل هذا الذي تبدونه في صورة القوة، وصورة الدموية، وصورة الغطرسة، والعنجهية، والغرور الأعمى.. من حواجز، ومقابر رقمية، وسجون، وحصار، وانتشار، وإخافة، وسيارات ضريرة، وبلدوزرات شرسة، وطائرات هوج، وروائح بارود، وأصوات تفجيرات، كلها، كلها يقينًا، زائلة؛ لأن جوهرها هو الظلم، والظلم حد مرفوع، لا ريب، حد مصيره المحو والإذابة. وها هي صفحات التاريخ، تاريخ القوة، مفتوحة أمام كل من يمتلك عينين، وقلبًا، وعقلًا.. ليقرأ سير مجانين القوة، وليقف عند الخواتيم، ويتعظ!

وبعد هذا كله، نحن على قناعة بأنكم لا تعرفون الحياة في معناها الجميل، وصورتها الجميلة. أنتم لا تعرفون ما الذي يعنيه البيت، وأنتم تسكنون المستوطنات التي أساساتها الخوف والانتظار والقناعة بأنها ستُقتلع، ولا تعرفون سحر الأرض، وهي تنبت النعناع والحبق والورد والزنبق أمام عتبات بيوت الفلسطينيين، ولا تعرفون معنى الوطن الذي جعلته مفاعيل القوة رجومًا للحجارة، ثم جعلته الأيدي الفلسطينية قرًى ومدنًا، وجسورًا وقناطر، وأدراجًا يصعدها الناس نحو الشرفات التي تعطر الهواء بروائح القهوة! ودروبًا ظليلة، تضيق، وتتسع، كي تماشي روائح الكعك، والقرفة، والبخور، وجوزة الطيب.. الناس، وهم في ذهاب وإياب!

أجل، أنّى لكم، يا أصحاب القوة العمياء الطرشاء، أن تعرفوا هذا، وأنّى لكم، وعلى عقولكم أقفالها، أن تعرفوا أن سر الشعب الفلسطيني.. كامن في التراب، والماء، والضوء، والأفعال، والأرواح التي سهرت طول ليلكم الأسود العتيم، كيما تلاقي فجرها، بالعناق الطويل الطويل.. وبملء الذراعين!

Hasanhamid5656@gmail.com