أم يوسف.. من حلم العرس لبياض الكفن

رام الله- الحياة الجديدة- فاطمة الخطيب- تذرف أم يوسف دموع الألم وهي ترفع صورة ابنها على ميدان المنارة وسط رام الله، مطالبة كل ضمير حي برؤية جثمان ابنها، تحن إلى حنو ابنها وطبطبته على كتفها، وتصبو لمعانقة جثمانه بعدما حرمها الاحتلال من وداعها له، حيث يحتجز جثمانه منذ أكثر من عام على استشهاده.
تروي ذاكرة أم يوسف صبح لـ"الحياة الجديدة"، حادثة لها مع طفلها، قبل شهر من ارتقائه، وبينما كان يطبطب على كتفها قائلا: "قربت يا أم يوسف، حضري حالك تستقبلي المهنئين في استشهادي". وتكمل بصوت ملؤه الشجن: "والله لحد الآن حاسس بطبطبة إيده علي.. كأنها لسا امبارح".
واستشهد الفتى يوسف محمد فتحي صبح (16 عاما) في السادس والعشرين من أيلول 2021، خلال مواجهات اندلعت في بلدة برقين جنوب غرب جنين، عقب اقتحام جنود الاحتلال البلدة فجرا، ما أدى لاستشهاده برفقة الشهيد أسامة ياسر صبح (22 عاما)، فيما تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثمانه، ويعتبر من أصغر الشهداء المحتجزة جثامنيهم لدى الاحتلال.
تصف أم يوسف حال العائلة بـ"الأموات" بعد ارتقاء نجلها قائلة: "أولادنا الأحياء ونحن الأموات، إحنا بنتوجع بالدقيقة مليون مرة قهرا وألما على احتجازهم". وتضيف: "يوسف كان رجل البيت، إجا على الدنيا بعد سنوات من الانتظار، وإنجاب ثلاث فتيات، وبعده بنت رابعة، ملأ علينا البيت حبا وبهجة، وكان دائما ينشر الفرح بين شقيقاته".
لم تتمالك والدة يوسف نفسها من الحزن، حتى كادت دمعتها تنزل من عينها وهي تقول: "رحل يوسف دون رجعة، كيف سأمضي الأيام من بعده؟ كم أتمنى أن أكون في حلم وأستيقظ منه على وجوده أمامي".
وحول حيرتها عندما تريد التحدث عن نجلها، تقول: "لا أعرف حقا إن كان ابني شهيدا أم أسيرا، فلم يطلب منا التعرف على جثمانه، ولم يصل إلينا فيديو أو صورة تثبت ذلك، ولا توجد لدينا أي معلومة"، وقد مضى على احتجاز جثمانه 14 شهرا دون معرفة مصيره.
والفتى الشهيد يوسف هو واحد من بين 118 شهيدا، يحتجز الاحتلال جثامينهم في ثلاجاته منذ عام 2015، فيما تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين 256 شهيدا فيما تسمى مقابر الأرقام، وجميعهم استشهدوا قبل عام 2015، فيما وصل عدد المفقودين 68، حسب بيانات صادرة عن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين.
وعن أحلامه الطفولية، تقول أم يوسف لـ"الحياة الجديدة": "رغم صغر سنه، عشق النضال ومقارعة الاحتلال ومواجهته، كلما حدث اقتحام لبلدته برقين لا يتردد في الخروج للدفاع عن وطنه، كانت أمنيته الوحيدة أن يزف شهيدا".
وتكمل: "وعدي لك يا يوسف بأن أبقى أطالب بجثمانك حتى أحصل عليه، وأعطر تراب برقين بدمائك الطاهرة"، ثم تصمت قليلا قبل أن تحرر صوتها المنخفض قائلة: "يما يا حبيبي يوم أشتاقلك بحمل صورتك وبحضنها وببكي عليها، لأنه الاحتلال حرمني حتى من دفنك، حرمني من إني أزور المقبرة وأحضن ترابك".
وشددت أم يوسف على أنها لن تمل ولن يتسلل اليأس إليها، وستظل تطالب بجثمان نجلها حتى آخر نفس، وتعهدت بإخراج جسد ابنها من برد الثلاجات، وأن تزيل الصقيع من على جسده.
حلمت أم يوسف كباقي الأمهات بأن تزف ابنها عريسا، لكن هذا المحتل ينغص كل شيء، تقول: "من حلم زفة العريس لحلم الكفن والدفن".