عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 02 نيسان 2026

"البقيعة".. حكاية سهل كان يُطْعِم فلسطين!!

ما تبقى فعليا من أراضي طمون لا يتجاوز 25% من المساحة الإجمالية البالغة نحو 98 ألف دونم

 

*خبير: مصادرة الأراضي الزراعية في شمال الضفة يتجاوز الخسارة المباشرة للمزارعين ليطال بنية الأمن الغذائي

طوباس- الحياة الجديدة- ميساء بشارات - في قلب سهل البقيعة، ثالث السهول في فلسطين من حيث مساحته، الممتد الى الشرق من بلدة طمون بمحافظة طوباس، حيث تمتد الخضرة على مد البصر وتتنفس الأرض عبق التاريخ، تتعرض التربة الفلسطينية لجولة جديدة من النهب المنظم.

شرع الاحتلال الإسرائيلي مؤخرا في مشروع جدار وشارع محاذٍ له سيقام شرق مدينة طوباس وطمون وتياسير وعاطوف ويرزة ومن الشرق من عين شبلي. وعن تفاصيل الجدار والشارع المحاذي له ذكرت صحيفة هآرتس ان الجيش الإسرائيلي سيقيم جدارا في قلب الأغوار، يفصل فيه الفلسطينيين عن عشرات آلاف الدونمات من أراضيهم، بطول 22 كم، وعرض 50 مترا، وعلى بعد 12 كم من الحدود الأردنية، والجيش الإسرائيلي سيهدم بيوت، وحظائر أغنام، وبنى تحتية وصفت بتشكيلها "نقطة ضعف عملياتية"، ووفق الوثيقة العسكرية إحدى القرى ستحاط كلها بالجدار.

في سهل البقيعة شرق بلدة طمون، تختصر شهادة المزارع محمد الزبن (أبو ضرغام) حكاية اقتصاد زراعي كامل يتعرض للاقتلاع المفاجئ، لا كحادثة فردية، بل كتحول قسري يضرب أحد أهم مراكز الإنتاج الزراعي في شمال الضفة.

 

من استثمار طويل إلى خسارة فورية

يستعيد أبو ضرغام مسارا امتد لنحو عقدين، تحولت خلاله أراضي طمون من زراعة بعلية محدودة إلى نظام إنتاج زراعي مكثف يعتمد على:الري الحديث، والبيوت البلاستيكية، والزراعة المحمية.

استثمارات تراكمت عبر سنوات، شملت شبكات مياه وبنية تحتية امتدت لعدة كيلومترات، لتصنع من السهل منطقة إنتاج حيوية.

لكن هذه المنظومة، وفق وصفه، انهارت في لحظة واحدة مع صدور قرار عسكري بمصادرة جزء من الأرض وإغلاقها بالكامل، والبدء بإقامة جدار وشارع استيطاني محاذٍ له.

 

موسم يترك ليتلف

ويعد سهل البقيعة سلة غذائية لفلسطين، كانت تزرع فيه محاصيل القمح والشعير، والآن تحول للزراعات المروية، ويعتمد عليه مربو الثروة الحيوانية في الرعي والإنتاج.

يقول أبو ضرغام: "في توقيت بالغ الحساسية وهو ذروة الموسم الزراعي منع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، ما يعنيتلف المحاصيل قبل الحصاد، ضياع دورة إنتاج كاملة، وخسارة رأس المال المستثمر".

يتابع  أبو ضرغام: "إن المنع لم يكن تدريجيا، بل جاء بشكل مفاجئ، دون منح أي مهلة.. كنا في عز الإنتاج… وفجأة منعنا حتى من دخول أرضنا أو قطف محصولنا."

 

حين يتحول الجهد إلى ديَنْ

يشير أبو ضرغام الى ان تكلفة الدونم الواحد من الزراعات المروية تتراوح ما بين 5000 – 6000 شيقل، وهو يملك نحو 250 دونما، ما يعني أن الخسارة المباشرة على المدخلات فقط تتجاوز: 1.25 مليون شيقل.

لكن الخسارة الفعلية، كما يوضح، لا تقف عند هذا الحد، التوقعات كانت تحقيق عائد يتراوح بين 2 – 2.5 مليون شيقل، ما يعني فقدان أرباح موسمية كاملة، إلى جانب رأس المال.

وينوه أبو ضرغام أن هذه الاستثمارات كانت قائمة على القروض، والشيكات المؤجلة، والتزامات مالية للموردين، لتتحول المصادرة من خسارة إنتاج إلى أزمة مديونية حادة.

 

بنية تحتية تُمحى…

لا تتعلق الخسارة بالمحاصيل فقط، بل تمتد إلى بنية تحتية زراعية مكلفة، من خطوط مياه ناقلة تمتد لمسافة 5–6 كيلومترات، وشبكات ري حديثة، وبيوت بلاستيكية.

"هذه الأصول، التي استغرق بناؤها سنوات، فقدت قيمتها فورا، إذ لا يمكن نقلها أو إعادة استخدامها، وإن بيعت كما يشير لن تتجاوز 10% من قيمتها الأصلية".

ويوضح أبو ضرغام أن سهل البقيعة، لم يكن مصدر دخل فردي، بل اقتصاد محلي قائم بذاته، فعشرات العمال يعملون فيه يوميا، إلى جانب مئات العائلات التي تعتمد على هذا القطاع.

وينوه إلى أنمع توقف النشاط الزراعي، يكون العمال فقدوا مصدر رزقهم، وتراجعت الحركة الاقتصادية في المنطقة، مؤكدا أن السهل كان يرفد الأسواق بـ:البندورة، والخيار، والبطاطا، والشمام، والبصل. ما يجعله جزءا من منظومة تتعلق بـالأمن الغذائي الفلسطيني.

ويتابع أنه مع خروج السهل من دائرة الإنتاج، تتسع الفجوة بين العرض والطلب على الخضار، ويصبح السوق أكثر عرضة للاعتماد على مصادر خارجية.

"هذه الأرض ليست مجرد مصدر دخل… هي حياة كاملة، تعب سنين، وارتباط لا يختصر بالمال." يقول أبو ضرغام.

وحتى اللحظة، لا يرى المزارع خيارات واضحة، حيث انه لا إمكانية للوصول إلى الأرض، ولا تعويضات، ولا حلول مرحلية حتى لحصاد الموسم.

ويختصر المشهد بقوله إن ما حدث:"لم يكن خسارة موسم… بل خسارة عمر كامل من العمل والاستثمار."

وفي قراءة رسمية تعكس حجم التحول الذي يطال سهل البقيعة، يضع رئيس بلدية طمون سمير بشارات ما يجري ضمن إطار ضربة مباشرة للاقتصاد المحلي.

 

شريان اقتصادي يُستهدَف

يصف بشارات سهل البقيعة بأنه "شريان الحياة" لبلدة طمون ومحيطها، بما يشمل طوباس وعاطوف، موضحا أن البنية الاقتصادية في هذه المناطق تقوم بشكل شبه كامل على: الزراعة، والثروة الحيوانية كمصدر دخل.

ويؤكد أن غياب بدائل اقتصادية حقيقية يجعل من هذا القطاع الرافعة الأساسية لدخل السكان، ما يعني أن أي استهداف له ينعكس فورا على مستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي.

بحسب بشارات، فإن حجم الأراضي التي طالتها الإجراءات الإسرائيلية كبير ومؤثر، نحو 24,254 دونما من الأراضي السهلية الخصبة، إضافة إلى ما يقارب 70 ألف دونم من المناطق الجبلية والرعوية.

يوضح بشارات أن ما تبقى فعليا من أراضي طمون لا يتجاوز 25% من المساحة الإجمالية البالغة نحو 98 ألف دونم، وهو ما يشير إلى انكماش حاد في الحيز الزراعي المنتج.

ويقول: "رغم أن الأوامر العسكرية—والتي بلغ عددها نحو عشرة—جاءت تحت عناوين: شق طريق استيطاني، وإقامة بؤرة استيطانية، الا أن ما يحدث على الأرض، يتجاوز هذه العناوين بكثير. ويفسر ان المؤشرات الميدانية تظهر بدء تهجير فعلي لمربي الثروة الحيوانية.

وتفكيك المزارعين للبيوت البلاستيكية تمهيدا للرحيل نتيجة تضييق الوصول إلى الأراضي الشرقية بشكل كامل، ما يعكس سياسة "ضم تدريجي وتهجير صامت" تهدف إلى إفراغ المنطقة من الوجود الفلسطيني.

ويتابع: "ومع غياب القدرة على الوصول إلى الأراضي الواقعة خلف الطريق الاستيطاني او الجدار، يصبح استمرار النشاط الزراعي في هذه المنطقة أمر شبه مستحيل".

على الصعيد القانوني، يشير بشارات إلى محاولات تمت بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومحافظة طوباس، إلى جانب طواقم قانونية مختصة. إلا أن هذه الجهود اصطدمت بواقع قانوني معقد، حيث تمنح الأوامر العسكرية أولوية على قرارات المحاكم، ويتم تبرير المصادرة تحت بند "الضرورة الأمنية" ما أدى في النهاية إلى رفض الطعون القانونية بنسبة تكاد تكون حاسمة.ما يجعل المسار القضائي غير مجد في استعادة الحقوق الفلسطينية المسلوبة.

من جانبه، يضع الخبير الاقتصادي ثابت أبو الروس مصادرة الأراضي الزراعية في شمال الضفة الغربية ضمن سياق يتجاوز الخسارة المباشرة للمزارعين، ليطال بنية الأمن الغذائي الفلسطيني واختلال ميزانه التجاري.

 

من "سلة غذائية" إلى فجوة تموينية

يؤكد أبو الروس أن محافظتي جنين وطوباس شكلتا تاريخيا ما يمكن وصفه بـ"سلة فلسطين الغذائية"، حيث ساهمتا بنسبة كبيرة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الخضروات والمحاصيل الأساسية. غير أن مصادرة مساحات واسعة من هذه الأراضي تعني، عمليا، اقتطاع جزء حيوي من القدرة الإنتاجية الزراعية.

ويتابع أبو الروس أن هذه الخسارة لا تبقى محصورة في الجغرافيا، بل تمتد مباشرة إلى السوق، من خلال انخفاض الإنتاج المحلي، وظهور فجوة في المعروض، واضطرار السوق الفلسطيني للاستيراد لتعويض النقص.

ويفسر أنه في هذه الحالة يتحول الاقتصاد من منتج إلى مستورد قسري، وفي تراجع واضح لمفهوم الاكتفاء الذاتي.

 

ضربة مزدوجة.. الأمن الغذائي والثروة الحيوانية

لا يتوقف التأثير عند حدود المحاصيل النباتية، بل يمتد إلى قطاع الثروة الحيوانية، الذي يعتمد جزئيا على مخرجات الزراعة كمدخلات تغذية.

يوضح أبو الروس أن فقدان هذه الموارد، يؤدي الى رفع تكلفة الأعلاف والرعي، ويضع عبئا ماليا إضافيا على المزارعين والرعاة

يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الحيوانية في السوق، فإن مصادرة الأرض تنتج سلسلة من الارتدادات الاقتصادية، تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند مائدة المستهلك.

 

سوق عمل يتآكل بصمت

القطاع الزراعي في شمال الضفة لم يكن مجرد نشاط إنتاجي، بل حاضنة تشغيل واسعة، آلاف العمال والمزارعين والرعاة كانوا يعتمدون بشكل مباشر على هذه الأراضي.

ومع فقدانها، تفقد مئات العائلات مصدر دخلها الأساسي، وتتقلص فرص العمل في الريف، وترتفع معدلات البطالة، خصوصا في المناطق الزراعية.

يشير أبو الروس أن هذا التحول لا يحمل فقط بعدا اقتصاديا، بل أيضا أثرا اجتماعيا عميقا يهدد استقرار المجتمعات الريفية.

ويوضح أبو الروس أن هناك تحولاً متوقعا في هيكل التجارة الزراعية الفلسطينية، فبعد أن كانت منتجات جنين تصدر إلى أسواق خارجية، فإن تقلص الإنتاج سيؤدي إلىتراجع الصادرات الزراعية، وزيادة الاعتماد على الواردات، وتوجه التجار نحو السوق الإسرائيلي كبديل جاهز.

يقول: "هنا يصبح الميزان التجاري أكثر اختلالا، مع تفوق الواردات على الصادرات، ما يعمق التبعية الاقتصادية ويضعف القدرة الإنتاجية الوطنية".

فما يجري، ليس مجرد مصادرة أراض، بل إعادة تشكيل قسرية للاقتصاد الزراعي الفلسطيني، من الإنتاج إلى الاستيراد، ومن الاكتفاء إلى الاعتماد، ومن التصدير إلى العجز.

وفي المحصلة، تتحول الأرض المصادرة من أصل إنتاجي إلى فجوة اقتصادية مفتوحة، يدفع كلفتها المزارع أولا… ثم السوق… ثم المجتمع بأكمله.