عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 29 آذار 2026

من خلية نحل إلى "النبتة المعجزة".. مليحة نصار تكتب سيرة الصمود بريادة تنبت من الأرض

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- بينما تتكاثر العوائق أمام الرياديات الفلسطينيات، اختارت مليحة نصار أن تشق طريقها خارج القوالب الجاهزة، لا عبر وظيفة مستقرة، بل من قلب الأرض، حيث النحل والأعشاب والرهان على الطبيعة. حكايتها ليست مجرد تجربة عمل خاص، بل سردية إنسانية تتقاطع فيها الأمومة مع الفقد، والريادة مع الاحتلال، لتتحول إلى نموذج لامرأة أعادت تعريف النجاح على إيقاع الصمود.

لم تكن رحلة مليحة نصار نحو الريادة قرارا مفاجئا، بل امتدادا لتجربة حياتية تشكلت منذ الطفولة، في بيت اعتاد العمل الحر، حيث كان الأب مزارعا، والأشقاء يخوضون مشاريعهم الخاصة. هذا الإرث المبكر، إلى جانب تجربة عمل قصيرة في الإمارات، ثم سنوات طويلة في مؤسسات حكومية وحقوقية في رام الله وغزة، دفعها لإعادة النظر في معنى الاستقرار المهني.

تقول نصار في حديثها لـ"الحياة الجديدة" إن العمل في بعض المؤسسات، خاصة تلك المعنية بتمكين المرأة، كشف لها فجوة بين الشعارات والتطبيق، مضيفة أن المرأة القوية قد تواجه أحيانا بالمنافسة بدل الدعم. وتوضح أن هذا الإدراك شكل نقطة تحول، دفعتها لترك الوظيفة التقليدية والانخراط في مشاريعها الخاصة.

بدأت نصار بمسارين متوازيين: محل ملابس ومنحل لإنتاج العسل، ثم توسعت لاحقا إلى مشروع مطعم صغير، بالتزامن مع عملها كمحاضرة بدوام جزئي. وتضيف لـ"الحياة الجديدة" أنه رغم قسوة البدايات، حيث كانت تعمل لساعات طويلة على حساب حياتها العائلية، إلا أنها تصف تلك المرحلة بأنها الأكثر متعة، لما فيها من استقلالية وشعور بالإنجاز.

لكن التحول الأعمق في مسيرتها لم يأت من السوق المحلي، بل من تجربة خارجية جديدة. ففي عام 2016، شاركت في برنامج تدريبي في الصين حول القيادة النسوية، وهناك، انفتحت أمامها آفاق مختلفة لريادة الأعمال الزراعية، خاصة في مجال الأعشاب الطبية.

وتوضح لـ"الحياة الجديدة" أنها انبهرت بمشاريع نسوية قائمة على زراعة نوع واحد من النباتات بمساحات واسعة، وربطها بالصناعات الغذائية والعلاجية.

عادت نصار إلى فلسطين بفكرة مشروع مختلف، قائم على الأعشاب الطبيعية، وسرعان ما وجدت ضالتها في نبتة "المورينجا"، التي تعرف عالميا بـ "النبتة المعجزة" لغناها بالعناصر الغذائية.

وتقول لـ"الحياة الجديدة" إنها بدأت بزراعتها في أريحا، مستفيدة من ملاءمة المناخ، ومركزة على إنتاج منتجات طبيعية تجمع بين الأعشاب والعسل.

غير أن الطريق لم يكن ممهدا. واجهت نصار تحديات زراعية وبيئية، أبرزها ضعف خبرتها الأولية، وملوحة التربة، وندرة المياه، إلى جانب واقع أكثر تعقيدا تمثل في وقوع الأراضي التي استأجرتها بين بؤر استيطانية، ما صعب الوصول إليها وعرضها لمضايقات متكررة، وصلت حد الاحتجاز وتخريب المزروعات.

وتؤكد لـ"الحياة الجديدة" أنها رغم هذه الظروف، واصلت تطوير مشروعها، وانتقلت من بيع الأعشاب بشكلها الخام إلى تصنيع منتجات متنوعة، وصولا إلى مستحضرات العناية بالبشرة من مكونات طبيعية، مشيرة إلى أن التوجه العالمي نحو المنتجات الطبيعية شجعها على تسريع هذه الخطوة، رغم ما تتطلبه من استثمارات وتراخيص.

في موازاة التحديات المهنية، خاضت نصار تجربة شخصية قاسية تمثلت في اعتقال اثنين من أبنائها في فترات مختلفة، ما فرض عليها ضغوطا نفسية وشتت تركيزها بين العمل ومتابعة قضاياهم. كما تعرض منزلها لاقتحام وتخريب، في سياق يعكس واقعا يوميا يفرض نفسه على تفاصيل حياتها ومشروعها.

وتشير نصار لـ"الحياة الجديدة" إلى أن التمويل يعد أحد أكبر التحديات التي تواجه الرياديات، موضحة أن القروض غالبا ما تكون مرهقة بفوائدها، فيما يفتقر الدعم المقدم من بعض المؤسسات إلى الاستدامة والتخطيط طويل الأمد. وترى أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص التمويل، بل في غياب استراتيجية وطنية واضحة لدعم المشاريع الصغيرة، خاصة في القطاعات الإنتاجية كالزراعة.

ورغم ذلك، لا تزال تؤمن بإمكانية البناء، ولو بخطوات بطيئة. وتضيف لـ"الحياة الجديدة" أنها تعمل اليوم على توسيع شبكة إنتاجها، والتفكير في التصدير، إلى جانب تطوير مهاراتها عبر الدورات التدريبية، ونقل تجربتها لنساء أخريات.

وتختم حديثها لـ"الحياة الجديدة" بالقول: إن مشروعها ليس قصة نجاح مكتملة، بل "رحلة صمود"، تختبر فيها يوميا معنى البقاء على الأرض، مؤكدة أن الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل فعل مقاومة، ومحاولة للحفاظ على علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه.