امرؤ صائم
عدلي صادق
في سنوات السجن الأولى، لا سيما في محاشره المكتظة، شحيحة المياه، وحيثما لا مراحيض ولا صنابير؛ كانت لرمضان طقوسه واستثناءاته. فرمضان الطلقاء لا السجناء وحسب، يزخر في كل سنة، بنوادر المنفعلين والغاضبين، وقد سجلت كتب التاريخ الاجتماعي للمسلمين، مفارقات وطرائف الذين ناءت بهم مشقة الصيام. فمن قديم، وعندما لم تكن أدخنة التبغ ملازمة لأنفاس المدخنين؛ نُقلت عن الأعراب الأشد بداوة والأقل ورعاً والأكثر طلاقة في اللسان؛ تفوهات كثيرة تلقائية أضحكت الورعين. من بينها، مبكرا، شماتة الإعرابي بالقمر نفسه في أواخر رمضان وقوله:"الحمد لله الذي أنْحَلَ جسمك مثلما أخمصتَ بطني". وقد سعى النبي، عليه الصلاة والسلام، الى تهدئة نفوس الصائمين، وتذكيرهم بحكمة الصيام وفضله، ولطلما نبههم الى ضرورة تحاشي الرفث والانفعال والغضب والسباب، ومقابلة أي منزلق لأحدهم، الى سباب، بالقول "اللهم أني امرؤ صائم"!
في مصر المملوكية، بلد "المسحراتي" كان لرمضان صَخَبه الذي يهمد في غُبشة الليل، عندما تصحو الناس على قرع الطبول مع هتاف "إصحَ يا نايم.. وحّد الدايم" ثم يعلو صوت الأدعية والتضرع.
لم يكن أشق من رؤية هلال رمضان، إلا رؤية أخيه ووريثه هلال شوال. كان على شيوخ الأزهر، أن يروه بعيونهم. مرة، يرونه كأنه سن ضاحك، ومرة تحجب رؤيته رياح رملية تتعذر معها الرؤية. وتتبدى انفعالات الصوم، مثلما حدث يوماً عندما اشتد الحر وعز وجود السقائين، في التاسع والعشرين من رمضان، واشتبك كثير من الصائمين وساد التوتر، فأعلن السلطان قايتباي قائلاً للمشايخ:"أريد أن يكون العيد غداً، سواء رأيتم الهلال أم لم تروه". ركب قاضي الشافعية بغلته وصعد الى القلعة، وأكد للسلطان أن العيد لا يجوز إلا اذا تمت رؤية الهلال. لكن السلطان همس في أذن القاضي، بما معناه إن المسألة ليست مسألة صوم يوم أو عطش نهار، وإنما هي تحاشياً لأن يأتي العيد بعد غدٍ في يوم الجمعة، الذي تكون فيه خطبتان، واحدة في صبيحة اليوم وأخرى في ظهيرته، وكان الاعتقاد أن الدعاء من فوق المنابر للسلطان مرتين في اليوم، هو علامة شؤم تنذر بهلاكه!
سلطان آخر، هو أبو المعالي، استدعى الشيوخ في اليوم الأول من رمضان، فدخلوا عليه ووجدوه متجهماً تقدح عيناه شرراً. تولى حاجبه ونديمه "منجك" الحديث قائلا:"السلطان يريد فتوى لإفطار رمضان". صمت الشيوخ بعد أن نظروا بعضهم الى بعض متعجبين. احتقن وجه السلطان وصاح "هيه يا مشايخ.. ماذا تقولون؟"
تولى الفقيه المالكي شرح أحكام الصيام في العموم، واختتم بالقول إنه لا يوجد في الشرع ما يُجيز إفطار السلطان". تضاءل الأخير فجأة وبدأ يتشكى: "أنا مريض يا مشايخ.. ضعيف". وتولى الوزير، وهو نصف فقيه خاص للسلطان، حواراً عقيماً، لكنه لم يقنع المشايخ. فلا مجال لفتوى كاذبة. قالوا لسلطانهم، لك أن تفطر وأن تتحمل الإثم. لكنه أصر على إفطار يرضى عنه الشرع. كان المشايخ يردون ويتمسكون بموقفهم وهم يرتعدون خوفاً ويتوقعون الموت، بخاصة عندما زمجر الحرس. لكن واحداً من المشايخ أنقذ الموقف قائلاً: فليسافر السلطان، والسفر عذر شرعي للإفطار. تهلل الوزير فرحاً، وفي اليوم التالي أعلنت القلعة عن سفر السلطان لتفقد قلاع الاسكندرية ودمياط، ثم التوجه الى الشام على أقل من مهله!
في حشرة السجن، لا أنسى ما حييت لقطات توفيق الظاطا، زميلنا البديع فارع الطول عريض المنكبين والشاربين. كان السجن يرهقه، فما بالنا بالصوم في غرفة السجن المزدحمة، وهو المدخن الشره. هو وحده، يتكفل تحميل الأوقات، بكل ما يخطر على البال، من عبارات التعبير عن الإحساس بمشقة الصوم. لم تكن في حوزتنا جميعاً ساعة نتابع من خلالها تقدم الوقت. قُبيل الإفطار، يفتح لنا السجانون، عبر مكبر الصوت، فقرة التلاوة التي تسبق موعد الإفطار، وكان يسبقها حديث لأبي جرير (نور الدين الدريني). بعد صدق الله العظيم، يُعلى الأذان، ويكون أبو جرير قد غادر للإفطار إن كان صائماً وهو يعمل في راديو إسرائيل. ذات مرة، انتهت التلاوة، ولم يُرفع الأذان. عندئذٍ، يكون توفيق الظاظا، قد غمس لقمته في القروان (فلا عصائر ولا تمور آنذاك). سُمع صوت ناي حزين، لكي يشغل الثواني المتبقية. رمى توفيق اللقمة غاضباً وصائحاً مع شخرة غزاوية:" لسه بدنا نسمع شبابة". لحظة رفع الآذان، عاد وعدنا الى الغماس، لكن توفيق كان أسرعنا، إذ استقرت اللقمة في حلقه قبل استكمال الأحرف الأربعة الأولى من "الله أكبر" وقال:أخذ الله ما له، وبقي ما لنا"!