عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 آذار 2026

محمود درويش!

تغريدة الصباح - حسسن حميد

ها نحن في أيام الثقافة الفلسطينية العلوق بـ محمود درويش، شخصاً ومعنى، واحتفاء الحياة بمولده ليكون صنواً لأجمل ما فيها من طموح وعطاء وبناء وقيمة، ونحن في لغب أيضاً من أسئلة ماشت محمود درويش منذ أن تفتحت القصيدة بين يديه لا لتصير كتاباً ونشيداً فحسب، بل لتصير أحلام شعب أنجب المواليد من أجل أن يرفعوا سجوف الظلمة الغامقة التي دهمت حياتهم وربخت فوقها كي لا تطل موهبة تقول ما يجب أن يقال، وكي تصرخ صرخة الحرية الآبدة، والمجد العزيز، والصبر الذي لم تعرفه الجبال والغابات والبحار على الإطلاق.

ها نحن في أيام محمود درويش الثقافية الراهجة، والمضيئة، والشاهدة، والنايفة على غيرها من الأيام، كونها مشدودة إلى  يوم ميلاده، لهذا أسأل، من كان ينادد هذا الشاعر العفي، منذ بداياته الأولى مع القصيد، ومعرفته الأولى لأنوار الإبداع، هل كان ينادد شعراء سبقوه في القول والشهرة والحضور والمكانة، أم كان ينادد الشعراء المجايلين له، وقد ذاع صيتهم، وما هو حلمه الأبدي الذي لازمه بعد أن عاش حياته كلها من أجل الشعر الذي يدور حول أحلامه لتصير وقائع لسيرة أهله قديماً وحاضراً ومستقبلاً، ومن أجل الشعر المهيب الذي يوصف بالسحر الحلال؟

 الحق، أن محمود درويش، ومنذ بدأ كتابة الشعر، كان ينادد شاعراً آخذ العرب إليه كما لو أنه كان جهة الشعر الوحيدة في زمنهم الذي يعيشونه، هو (المتنبي)، وينادد أيضاً مدونة أدبية عربية فذة، هي جوهرة خلود الأدب العربي منذ ألف سنة وأزيد، هي (ألف ليلة وليلة)، لقد وعى محمود درويش مبكراً، أنّ المتنبي، وألف ليلة وليلة أحاطت بهما قولات راجفة، لكن أصالتهما شعّت نوراً أكثر مع كر الأيام، لأنّ الرميات ذات الأنفاس الحامضية كانت شروى نقير، بل هي أوهى.

 في فلسطين العزيزة، ومحمود درويش، لم يزل طالب علم في المدرسة الثانوية، أغلق باب موهبته الشعرية على نفسه ليكتب حال أهله من حوله، فرأى ما لم تره العيون عادة، وبنى ما لم تبنه الأيدي عادة، وأوجد دروباً بكراً لم تعرفها خطا الآخرين الذين سبقوه وعايشوه، فكان صوتاً فريداً خاصاً به، حتى في القصيدة التي سماها (قصيدة المخاطبة للناس)، وهم في غضبتهم العارمة حين صار الدم بقعاً أرجوانية داخل البيت، وفي الساحات، والحقول، والمدارس، وفي الدروب، وعلى الحيطان، أي حين صارت مطاردة الفلسطينيين ثقافة إسرائيلية عامة شاملة للأمكنة والأزمنة معا.

 لقد أغلق محمود درويش باب دارته الشعرية عليه، فكتب ما لم يكتبه من سبقوه، ومن جايلوه، ولهذا ماشاه الانتباه داخل فلسطين العزيزة (إميل حبيبي مثالاً)، و خارجها(غسان كنفاني مثالاً آخر)، فدخل قصيده مناهج التدريس العربية وهو في بداية الطرد الشعري، وحين أخذته الغربة أخذ يد قوية، فقابلها بإرادة صارمة، حين أغلق باب بيته الشعري عليه في القاهرة العزيزة، عاصمة الثقافة العالية، ليكتب قصيدته التي بدت نهاراً عالياً تمشي فيه شمس العافية الشارقة بأنوارها الجديدة، رغم كثرة الشعر المعافى من حوله، وفي بيروت التي جاء إليها غير هياب، أغلق عليه باب بيته الشعري أيضاً، ليكتب قصيداً نايفاً صار حديث الإبداع والثقافة، وحديث الألسن العارفة باللغات الأخرى، وحديث العارفين بأسرار الشعر وخصوبته، وعلواته، ومضايفاته الأكثر غنى وجمالاً وخيالاً، وقد امتلك محمود درويش، في دارة الغربة التي عاشها في القاهرة وبيروت وعمان جرأة بهارة، هي جرأة الشعر الصافي الرائع، كما يقول هيغل، فلم يخش وهرة حضور القصيدة (الفصحى والمحكية) في مصر، ولا وهرة القصيدة التي كتبها شعراء لبنان، ومن يعيشون فيها من الشعراء العرب، فأبدع غنى جديداً غير مألوف في الشعر، واشتق براعات بكراً داخل السطر الشعري الواحد، وفعّل الخيال كي يغيّر بنية القصيدة من المعروف والمستأنس المدرك إلى الوحشي النائي العصي، ومن الحداثوي إلى الأكثر حداثوية، فصار النقاد يتحدثون عن قصيدة عربية جديدة اسمها (القصيدة الدرويشية)، وصار قارئ النص الشعري وسامعه وناقده، يصارح روحه سراً، أو يقول لمن هم حوله علناً، إن هذا النص مستل من روح قصيدة محمود درويش، وهذه المفردة أو تلك العبارة أو هذا التركيب هو تقليد لما يعمل عليه محمود درويش، ذلك لأن اجتماع الخصوصية، والإخلاص، والرواء الشعري صار صبغة خاصة بنصوص محمود درويش، وكل هذه الجماليات، وما أراده من اشتقاقات لا تأتي إلا بالمكابدات، وما عاشته الروح الفلسطينية، وما أرادت قوله، كل ذلك كان  في العلن، يقال تصريحاً وتلميحاً، ولم يلتفت محمود درويش إليه، لأنه كان مهموماً بمساهرته للثقافة العربية والعالمية مساهرة الراهب ليعرف لبابات الجمال والنيافة في المدونات الثقال من كتبها، وعصف عقول أهلها التي حبّرت أسطرها، وما حفظته الأيام من أساطير البشر والطبيعة، والخيال، حين كان الإنسان يمعن النظر في مقولة: الحق والخير والجمال.

لقد أغلق محمود درويش عليه باب مدينة الشعر ليقرأ، ويحاور القصيد، ويجدله كي يكون طوع يده، بعد أن أغلق أبواباً، ودوائر كثيرة ونحاها، ومنها فوضوية المخالطة، والقراءات الضريرة، والوقوف على المنابر الرخوة في المناسبات الرخوة، وهذا ما جعل تفكيره وخياله ووقته وحضوره وبناءه وتعبه الجميل خالصاً للقصيدة.

في الذكرى، ولادة محمود درويش، تتجلى حياتان في قصيده، حياة البراري، وحياة العمران في البلاد الفلسطينية العزيزة التي هي جزء أصيل من تاريخ الدنيا، بما أعطته من جمال مدهش، وبما باحت به من أسرار، وبما حافظت عليه من تواريخ، وبما قدسته وأفاءت إليه، وبما زلته وأسقطته لكثرة ما شابته من شبهات القوة العمياء التي ابتليت بها.

ولادة محمود درويش، ليست هي ولادة القصيدة المضيئة في ديوان الشعر الحديث وحسب، بل هي المعادل الأوفى لعمران القرى بالخصوبة والدروب والأقواس والقناطر والمعاصر والطواحين والأحلام من جهة، وأنسنة الغابات والبحار والأنهار والأودية ومثاله الحجارة من جهة ثانية، كي تقابل وجوه القوة الباطشة التي انبعثت مرات ومرات في بلادنا كالبراكين، إنها القصيدة القائلة توكيدا بأن الطهرانية هي الصفة العلوق بالبلاد الفلسطينية، وإن الطمأنينة والقداسة هما الروح الفلسطينية الجائلة من بيت إلى بيت!

Hasanhamid5656@gmail.com