عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 آذار 2026

السياسة الخارجية الصينية في المنطقة وانعكاساتها على القضية الفلسطينية

د. رمزي عودة

عقدت الدورة الرابعة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب الصيني مؤتمراً صحفيّاً مهمّاً، أجاب خلاله عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ووزير الخارجية وانغ يي عن أسئلة الصحفيين المتعلقة بالسياسة الخارجية الصينية في عالمٍ يشهد تصاعداً في الصراعات وعدم الاستقرار السياسي، لا سيما في منطقتي الشرق الأوسط وأوروبا. وقد اكتسب هذا المؤتمر أهميةً خاصةً في ظل ترقّب دولي واسع لمواقف الصين واتجاهات سياستها الخارجية تجاه هذه الأزمات الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، ركّز وانغ يي على تأكيد تمسّك الصين بمرتكزات التعايش السلمي بوصفها إطاراً ناظماً للسياسة الخارجية الصينية وأداةً معياريةً لضبط إيقاع تعاملها مع قضايا السلام والصراع في النظام الدولي. وتتمثّل هذه المرتكزات في خمسة مبادئ رئيسة: الاحترام المتبادل للسيادة، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. إلى جانب ذلك، شدّد الوزير الصيني على مفهوم "دبلوماسية التنمية"، الذي يشكّل أحد الأعمدة الأساسية للسياسة الخارجية الصينية. فالصين توظّف علاقاتها الدولية لخدمة أهدافها الداخلية، وفي مقدّمتها تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وإثراء الشعب، وتأمين موارد الطاقة، وفتح أسواقٍ جديدةٍ للمنتجات الصينية، في ظل مكانة الصين المتنامية بوصفها أحد أهم مراكز التصنيع في العالم.

ومن خلال قراءة مضامين هذه السياسة، يمكن استخلاص عددٍ من الدلالات الرئيسة:

أولاً: تبدو السياسة الخارجية الصينية سياسةً مستقرةً في مبادئها العامة، ومن غير المرجّح أن تشهد تغييراتٍ جوهريةً في المديين القريب والمتوسط، إذ تعتمدها الصين إطاراً لإدارة علاقات السلام والصراع في النظام الدولي.

ثانياً: تتّسم هذه السياسة بالانفتاح على مختلف الفاعلين الدوليين، سواء الدول الكبرى أو دول الجنوب العالمي، وذلك في إطار منظومةٍ من المبادئ الأخلاقية التي تؤكدها الصين في خطابها الدبلوماسي، مثل العدالة الدولية، والاحترام المتبادل، والمنفعة المشتركة، والسلم العالمي، وتعزيز روح التعاون بين الشعوب.

ثالثاً: تؤكد الصين التزامها بتعزيز مبادئ القانون الدولي ودور الأمم المتحدة في إدارة قضايا الأمن والسلام الدوليين، وذلك في إطار رؤيةٍ تقوم على نظامٍ دولي متعدد الأقطاب، بدلاً من نظام الهيمنة أحادية القطب. وفي هذا السياق، تربط الصين تحقيق الأمن والاستقرار الدوليين بتنفيذ مبادرة الأمن العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ عام 2022، والتي تقوم على مجموعةٍ من المبادئ، من أبرزها: الأمن المشترك، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض عقلية الأحلاف العسكرية والصراعات الصفرية، وتعزيز دور الأمم المتحدة في حفظ السلام.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يمكن تقديم عددٍ من الاستنتاجات حول مسارات السياسة الخارجية الصينية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية والتوترات الإقليمية القائمة:

أولاً: من غير المتوقّع أن تنخرط الصين في أدوارٍ عسكريةٍ مباشرة في صراعات المنطقة، إذ تفضّل اعتماد الدبلوماسية والوساطة السياسية، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي.

ثانياً: ستسعى الصين إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط، ولا سيما أسواقها التجارية، إضافةً إلى تأمين إمدادات الطاقة الضرورية لاقتصادها المتنامي، وذلك من خلال توسيع علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة.

ثالثاً: من المرجّح أن تواصل الصين تعزيز دبلوماسية التنمية والحوكمة العالمية في الشرق الأوسط، عبر فتح أسواقٍ جديدةٍ وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، بما يسهم في تحقيق مكاسب مشتركة ويخفّف من حدّة التوترات الإقليمية.

رابعاً: تحافظ الصين على موقفٍ داعمٍ للقضية الفلسطينية، يقوم على تأييد حلّ الدولتين، ورفض استمرار الاحتلال والممارسات الاستيطانية، والدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة، والعمل على دعم جهود إعادة الإعمار ومعالجة الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.

وفي خلاصة القول، تبرز الصين بوصفها قوةً كبرى فاعلة في النظام الدولي لا يمكن تجاوز دورها، وهي تطرح نموذجاً خاصّاً للتغيير يقوم على التنمية الاقتصادية والحداثة المرتبطة بالخصائص الصينية للنظام الاشتراكي، كما يؤكد ذلك الخطاب السياسي للحزب الشيوعي الصيني. ومن هذا المنطلق، فإن تعميق الشراكة الفلسطينية مع الصين يتطلّب رؤيةً استراتيجيةً تقوم على تطوير البنى الفكرية والثقافية والاقتصادية الفلسطينية، بما يسمح بإيجاد نقاط التقاءٍ أوسع مع التجربة التنموية الصينية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخصوصية الوطنية الفلسطينية. ويهدف ذلك إلى بناء مساحاتٍ أكبر من التعاون والشراكة والدعم المتبادل بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يسهم تطبيق العديد من  مبادئ التنمية الصينية في فلسطين في تعزيز القدرة الوطنية على مواجهة تحديات الاحتلال، خاصةً إذا اقترن ذلك بدعمٍ صينيٍّ ماليٍّ وتقنيٍّ وخبراتي. وفي هذا السياق، ، يمكن تصوّر ثلاثة مساراتٍ رئيسةٍ للدور الصيني في دعم القضية الفلسطينية:

المسار الأول: دعم عملية تطوير البنى الثقافية والتنموية الفلسطينية بما يعزّز القدرة على بناء نموذجٍ تنمويٍّ حديثٍ يساعد المجتمع الفلسطيني على الصمود والتقدّم رغم ظروف الاحتلال.

المسار الثاني: استمرار الموقف السياسي الصيني الداعم لحلّ الدولتين، ورفض سياسات الاحتلال وانتهاكاته بحق الشعب الفلسطيني.

المسار الثالث: دعم انخراط الدولة الفلسطينية في أطر التعاون الدولي لدول الجنوب، مثل مجموعة البريكس ومجموعة الـ77، بما يعزّز حضورها في مسارات التنمية والتحديث الاقتصادي والسياسي، ويساعد على بناء شبكةٍ أوسع من المصالح الدولية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.

وفي المقابل، تستطيع القضية الفلسطينية أن تضيف بُعداً أخلاقيّاً وإنسانيّاً مهمّاً إلى السياسة الخارجية الصينية في المنطقة، بالنظر إلى عدالتها التاريخية والإنسانية. كما يمكن للشعب الفلسطيني أن يسهم في دعم المشاريع الاقتصادية الصينية في الشرق الأوسط من خلال ما يمتلكه من كفاءاتٍ علميةٍ وخبراتٍ تقنيةٍ قادرةٍ على العمل في مختلف القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية.