مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
مريم شومان

في الفضاء الرقمي الفلسطيني، لا تحتاج القصة دائما إلى وقت طويل حتى تتحول إلى عاصفة، منشور واحد، مقطع فيديو، أو شهادة عابرة كفيلة بأن تشعل منصات التواصل خلال دقائق، لكن هذا الفضاء نفسه يبدو أحيانا وكأنه يعمل بقانونين مختلفين: ضجيج هائل حين تقع حادثة في الضفة الغربية، وصمت ثقيل عندما تجري حوادث مشابهة أو أكثر خطورة في قطاع غزة.
قبل أسابيع قليلة، هزت حادثة طمون في محافظة طوباس منصات التواصل الاجتماعي، انتشرت القصة بسرعة وتدفقت التعليقات والبيانات، وتحولت الحادثة إلى قضية رأي عام. هنا، من المهم القول بوضوح إن ما جرى هناك خطأ يستوجب المساءلة القانونية، وإن إطلاق النار الذي أدى إلى مقتل الشقيقين سمارة يجب أن يتم التعامل معه وفق القانون وأن يُحاسب الضابط الذي أطلق الرصاص، هذه مسألة لا جدال فيها، ولا ينبغي لأي نقاش أن يحاول تبريرها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في الفضاء الرقمي الفلسطيني ليس متعلقا فقط بالحادثة نفسها، بل بما تلاها من ضجيج هائل على المنصات: لماذا تتحول بعض الحوادث إلى موجة غضب عارمة، بينما تمر حوادث أخرى بصمت شبه كامل؟
في قطاع غزة، وقعت خلال الأيام الماضية جريمتان في أقل من أربع وعشرين ساعة، الأولى بحق المواطن أسعد أبو مهادي في مخيم النصيرات، حيث أُطلق عليه الرصاص من قبل عناصر تابعة لحماس بعد أن لم يتوقف عند نداء حاجز داخل المخيم، وبعد أقل من يوم، أصيب المواطن محمد خالد أبو عمرة في دير البلح برصاص عناصر حماس أيضاً، في حادثة قيل إن حالته بعدها أصبحت حرجة، مع تداول معلومات عن تعليمات صدرت للطواقم الطبية في مستشفى الأقصى بعدم تقديم العلاج له.
هذه الحوادث رغم خطورتها، لم تتحول إلى قضية رأي عام على المنصات كما حدث في طمون، لم نشهد العاصفة الرقمية ذاتها ولا موجة البيانات، ولا حملات الغضب التي عادة ما تتصدر الوسوم الفلسطينية، مرّت الأخبار – هذا إن مرت- على استحياء، وتداولها عدد محدود من الناشطين، وغالبية من تحدثوا عنها هم من الفلسطينيين المقيمين خارج قطاع غزة.
هذا التفاوت يطرح سؤالًا أكبر من مجرد مقارنة بين حادثتين: هل أصبح الفضاء الرقمي الفلسطيني يعمل بمكيالين؟
في الضفة الغربية، لا يتردد كثير من النشطاء في انتقاد السلطة الفلسطينية، بل إنّ تخوينها بات في بعض الأحيان الخيار الأسهل والأسرع انتشارًا على المنصات، جزء من هذا يعود إلى حقيقة أن هامش التعبير - رغم بعض القيود- ما زال يسمح بقدر من النقد العلني، وهو ما يجعل المنصات مساحة مفتوحة نسبيًا لطرح الغضب والاعتراض.
لكن الصورة في غزة تبدو مختلفة تماما؛ هناك، بحسب شهادات متكررة من ناشطين وصحفيين، تقع حوادث مشابهة بشكل متكرر ويومي أقلها استدعاء وتهديد وكسر أطراف، وتعذيب مواطنين ومنعهم من العلاج، إلا أن كثيرًا من المواطنين لا يجرؤون على الحديث عنها علنا، الخوف من البطش، أو الاعتقال، أو الإذلال، يجعل الصمت في كثير من الأحيان الخيار الأكثر أمانًا.
لهذا السبب، فإن جزءًا كبيرًا من الروايات التي تصل إلى المنصات يأتي من ناشطين يعيشون خارج القطاع، بينما يبقى الصوت داخل غزة خافتًا أو غائبًا.
الصمت هنا ليس بالضرورة دليل على عدم وقوع الحوادث والجرائم، بل قد يكون انعكاسًا لبيئة يخشى فيها الناس دفع ثمن الكلام.
وهنا تتشكل المفارقة الرقمية: الضفة الغربية تُسمع أصواتها بصوت مرتفع، لأن الناس قادرون على الكلام، بينما يبدو قطاع غزة صامتًا، ليس لأن شيئًا لا يحدث، بل لأن كلفة الكلام قد تكون باهظة.
والمفارقة قد لا تتوقف عند حدود الخوف وحده، هناك أيضًا بُعد آخر يتعلق بالخطاب السياسي، فبعض الانتهاكات التي تقع في غزة يتم إسقاطها من النقاش العام تحت مظلة خطاب "المقاومة"، وهو خطاب يملك حساسية عالية في الوعي الفلسطيني، في المقابل، تُقرأ أخطاء السلطة الفلسطينية في الضفة غالبًا باعتبارها دليلًا على الفشل أو التواطؤ، ما يجعلها مادة جاهزة للاشتعال على المنصات.
بهذا المعنى، يصبح الفضاء الرقمي ساحة تعكس الاستقطاب السياسي بقدر ما تعكس الحقائق على الأرض، بعض القصص تجد طريقها سريعًا إلى الضوء، بينما تبقى قصص أخرى في الظل.
لكن إذا كان الإعلام الجديد قد منح الفلسطينيين منصة واسعة للتعبير، فإنّ التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في القدرة على الكلام، بل في القدرة على الحفاظ على معيار واحد للعدالة، فالقيمة الأخلاقية لأي خطاب حقوقي لا تُقاس بقدرته على انتقاد طرف واحد، بل بقدرته على مساءلة الجميع بالمعيار نفسه.
القضية في النهاية ليست الضفة ضد غزة، ولا السلطة ضد حماس، القضية هي أنّ حياة الفلسطيني أينما كان يجب أن تكون متساوية في القيمة، وأن أي انتهاك لحقه في الحياة والكرامة يستحق القدر نفسه من الغضب والمساءلة.
وفي زمن المنصات الاجتماعية، حيث يمكن لمنشور واحد أن يشعل نقاشًا وطنيًا كاملًا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نريد فضاء رقميًا يبحث عن الحقيقة، أم فضاءً يكتفي بتضخيم ما يوافق قناعاته وتجاهل ما يربكها؟ هل ما زلنا نملك الشجاعة لننظر إلى كل الانتهاكات بالعين نفسها، أم أن الفضاء الرقمي الفلسطيني بدأ هو الآخر يتقن فنّ الكيل بمكيالين؟.
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!