عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 آذار 2026

حين يؤذّن الأقصى…

حبر على جمر- لمى عواد

صلاةُ الصدى وذاكرة الحجر، ووحشة المآذن حين يغيب المحبون قسراً.

عن الحجارة التي لا تنسى خُطى العابرين، وعن الأذان الذي يبقى يقينًا في زمن المتغيرات.

مع الفجر، ترتفع مكبرات الصوت في المسجد الأقصى بنداء الأذان، نداءً أزلياً لم تغيّره القرون: الله أكبر… الله أكبر. ينساب الصوت فوق حجارة القدس العتيقة، يعبر الأزقة الضيقة ويعلو فوق القباب كأنه يوقظ المدينة من غفوتها. كان هذا النداء، عبر التاريخ، إيذاناً ببدء مشهد مألوف: خطوات متعجلة نحو الأبواب، وصفوف تتراصّ في الساحات، ووجوه جاءت تبحث عن سكينة الفجر.

لكن في هذه الصباحات، يصل الصوت إلى الساحات الواسعة فلا يجد ذاك اللقاء المعتاد. الأذان حاضر… أما الخُطى فمغيبة قسراً. هنا تبدو الساحات أوسع مما هي عليه، ويجاور الصمت النداء، كأن المكان نفسه بأعمدته وأقواسه، يلتفت حوله متسائلاً:أين الذين سكنوني وسكنتُ فيهم؟ وكيف يمكن لمكان اعتاد أن يفيض بالحياة أن يبدو هادئًا إلى هذا الحد؟

وفي مثل هذه الأيام، حين تدخل الأمة أيامها الأشد روحانية في العشر الأواخر من رمضان، وفي قلب هذه الليالي المباركة، تلوح ليلة القدر بوصفها الذروة الروحية لشهر رمضان؛ يكتسب المشهد في المسجد الأقصى معنىً أثقل. فهذه الليالي كانت عبر التاريخ موسما لا يشبه غيره في القدس؛ ليالي تمتد فيها الصفوف حتى أبواب الساحات، ويختلط فيها همس الدعاء بدموع المصلين الباحثين عن ليلة القدر. اليوم، حين يرتفع الأذان في هذه الأيام المباركة وتبقى بعض الساحات أقل ازدحامًا مما اعتادت، فإن الفراغ لا يبدو مجرد غياب عابر، بل سؤالًا مؤلمًا عن الطريق الذي صار أطول بين النداء والمصلين.

فلم يكن الأقصى مجرد مكان للصلاة، بل مشهد حي لوحدة الروح الجماعية.

لم يأتِ هذا الفراغ من فراغ. فالوصول إلى الأقصى اليوم لم يعد مجرد مسافة تقطعها الأقدام. بل أصبح رحلة معقّدة بين الحواجز والقيود. تلك القيود التي لا تكتفي بمنع الأجساد، بل تحاول فصل الرابط الروحي بين الإنسان ومكانه. كثيرون يسمعون الأذان من خلف الجدران الإسمنتية، يقفون عند نقاط التفتيش وقلوبهم قد سبقتهم إلى السجاد، يصلّون في "حضرة الغياب" بانتظار لحظة العبور.

ولأن الأقصى ليس مجرد مسجد في القدس، بل جزء من الذاكرة والهوية، فإن هذه الساحات التي شهدت وقع أقدام الأجداد، وضحكات الأطفال، ودعوات الأمهات الصابرات، تختزن في ذرات غبارها تفاصيل حياة لا تموت. لذا، يبدو الفراغ فيها اليوم فراغاً مثقلاً؛ ليس عدماً، بل امتلاءً بالانتظار.

إنها الساحات التي تضجُّ بأرواح وأمنيات الذين منعوا من الوصول، فصارت صلاتهم دعاءً محلقاً يتجاوز الأسلاك الشائكة والحواجز العسكرية.

ومع ذلك، لا يفقد الأقصى معناه حين تقلّ الخطى فيه. فالأذان ما زال يرتفع خمس مرات كل يوم، بنفس القوة واليقين، وكأنه يذكّرنا بزمنين يتقاطعان فوق هذه الأرض:

زمن سياسيّ عابر بقيوده واحتلاله،

وزمن روحيّ خالد بتكبيراته ويقينه.

الأذان هو الحقيقة الثابتة، أما الحواجز فهي الطارئ الذي لا بد أن يزول.

قد تُغلق الحواجز الطرق، وقد تقف الأجساد بعيدًا عن الساحات، لكن الطريق إلى الأقصى لم يكن يومًا طريقًا من حجر فقط… بل طريق من يقين.

وقد تبدو الساحات اليوم أكثر هدوءا، لكن حجارة الأقصى التي حفظت قرونًا من الركوع والسجود تعرف جيدا أن هذا الصمت ليس نهاية الحكاية.

فالأماكن التي سكنتها الخطى طويلا، مخلصة لأصحابها …

وحتى لو صلّى الصدى وحده بين الأعمدة والقُباب، يعرف الحجر أن الخطى ستعود، وأن القلوب هي الطريق الحقيقي الذي لا يضل. … حتى عندما تعجز الأقدام عن الوصول.