حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
د. حكمت نبيل المصري *

لم تعد الحروب في العصر الحديث مجرد مواجهات عسكرية تدور على الجبهات وتُقاس بنتائجها في الميدان، بل أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً. ففي كل حرب معاصرة تقريباً، هناك مستويان متوازيان للصراع: الأول هو الحرب التقليدية التي تدور على الأرض بالسلاح والجنود والدمار، والثاني حرب أخرى لا تقل شراسة تُدار في الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتصارع الروايات والصور والمعلومات.
الحرب الأولى هي الحرب التي يعرفها الجميع: قصف، ودمار، وتدمير للبنية التحتية، وسقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين، وتغيرات في موازين القوة على الأرض. هذه الحرب ملموسة ومرئية، ويمكن توثيق آثارها عبر صور الأقمار الصناعية وتقارير الميدان وشهادات الناجين. وهي الحرب التي تحدد غالباً النتائج العسكرية المباشرة للصراع.
لكن بالتوازي مع ذلك، تدور حرب أخرى أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً في كثير من الأحيان: حرب الرواية والوعي. هذه الحرب تُخاض عبر القنوات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تُستخدم أدوات متطورة مثل برامج التلاعب بالصور والفيديو، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والجيوش الإلكترونية، من أجل صناعة روايات معينة وترويجها، أو تشويه روايات الطرف الآخر.
في هذه الحرب، لا يكون الهدف تدمير الدبابات أو الطائرات، بل تشكيل الإدراك العام. فالصورة التي تنتشر على نطاق واسع قد تغيّر نظرة ملايين الناس إلى ما يجري، حتى لو كانت الصورة مجتزأة أو مضللة أو مصنوعة بالكامل. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعية أمراً في غاية السهولة، ما يزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقة والتزييف.
الأخطر في هذه الحرب أنها لا تستهدف الخصم فقط، بل تستهدف الجمهور نفسه. فالمتلقي يتحول من مجرد شاهد إلى ساحة معركة تُخاض داخل وعيه. وفي ظل تدفق هائل من المعلومات المتناقضة، يصبح من السهل دفع الجمهور إلى تبني رواية معينة، أو إلى الشك في كل شيء، وهو ما قد يكون هدفاً بحد ذاته.
كما أن هذه الحرب الإعلامية تؤثر في مواقف الحكومات والرأي العام الدولي. فالرواية التي تهيمن في الإعلام العالمي قد تضغط على صناع القرار، وتؤثر في طبيعة التحالفات، وحتى في مسار العمليات العسكرية. ولهذا لم يعد غريباً أن تخصص الدول موارد ضخمة لإدارة خطابها الإعلامي خلال الحروب، وأن تنشئ وحدات متخصصة في الحرب السيبرانية والإعلامية.
غير أن هذا الواقع يضع المشاهد أو القارئ أمام تحدٍ كبير. ففي عالم تغمره الصور والمقاطع والمعلومات، لم يعد من السهل التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مفبرك. لذلك أصبح التفكير النقدي والتحقق من المصادر ضرورة، لا مجرد مهارة إضافية.
في النهاية، يمكن القول إن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في الميدان، بل أيضاً في الفضاء الإعلامي. فالمعركة على الأرض تحدد موازين القوة، لكن المعركة على الرواية قد تحدد كيف سيتذكر العالم هذه الحرب، ومن سيُنظر إليه باعتباره منتصراً أو مهزوماً.
وبين هاتين الحربين، يقف الجمهور أمام مسؤولية صعبة: ألا يكون مجرد متلقٍ سلبي، بل باحثاً عن الحقيقة وسط ضجيج الدعاية والتضليل.
--------------
* صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!