عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 02 نيسان 2018

تغريدة الصباح - اخترت تاريخ ميلادي

محمد علي طه

لا يختار أحد من النّاس والديه وتاريخ ميلاده سواء السّاعة أو اليوم أو الشّهر أو السّنة، كما لا يختار لغة أمّه ودينه وقوميّته، مثلما لا يختار لون بشرته ولون عينيه ولون شعره فهذه أمور تفوق طاقته وعقله وعلمه.

ما احتفلت بعيد ميلادي حتّى في طفولتي لأنّ القرويّين لم يعرفوا في القرن الماضي الاحتفال بأعياد الميلاد، وحينما كبرت ما فكّرت بذلك، لأّنّني لا أعرف السّاعة التي ولدت فيها ولا اليوم ولا الشّهر ولا السّنة فقد ضاعت شهادة ميلادي مع أوراق والدي التّي تركها في علبة من تنك في خزانة الحائط في بيتنا الميعاريّ الّذي غادرناه مساء يوم احتلال القرية في 19 تموز 1948 ولعلّ أحد النّاهبين الّذين استغلّوا سقوط الجليل وانسحاب العسكر من القرية اعتقد أنّ في العلبة كنزًا فحملها وهرول، وأكاد أتخيّله بعد دقائق واقفًا أو جالسًا القرفصاء مذهولًا بعد أنّ فتح العلبة وشاهد ما فيها وراح ينعف أوراقها من كواشين الأرض الى عقد زواج والديّ الى شهادات ميلاد أفراد العائلة... وتذروها الرّياح.

استفسرت من والديّ عن تاريخ ميلادي الّذي أنستهما ايّاه النّكبة وطيّرته الرّياح، فعرفت أنّني ولدت في أيّام حراثة الصّيفيّ أي عندما كانوا يزرعون البطيخ والشّمام والفقّوس والذّرة البيضاء في السّهل السّاحليّ وكان هذا يحدث عندما يتوقف سقوط المطر لعدّة أيّام بين النّصف الثّاني من شهر اذار وبين النّصف الأوّل من شهر نيسان حينما تصبح التّربة صالحةً للحرث وللزّرع.

قالت لي أمّي: ولدتك بعد الغروب، ولم تحدّد السّاعة أو اليوم أو الشّهر أو السّنة. وذكر لي أبي أنّه ذهب في صباح الغد لشراء العجوة من دكّان العمّ مصطفى ليوزّع "حلوان المولود" فوجوده يحتفل بولادة ابنه الثّاني الّذي ولد في صباح ذلك النّهار.

أدخلني والدي بواسطة عمّه المختار الى الصّف الأول في مدرسة القرية في العام الدراسيّ 47-48 على الرّغم من صغر سنّي بحجّة أنّ محمودًا حفيد المختار الّذي يكبرني بعام أو أكثر قد دخل الى المدرسة ولم يبق ولد في الحارّة كي ألعب معه، واستنتجت من ذلك أنّني من مواليد العام 1941، وفي بحثي عن تاريخ ميلادي التقيت ببعض أبناء صفّي الّذين درست معهم الصّف الأوّل في مدرسة ميعار فوجدت أنّهم مسجلّون في سنوات متعدّدة كما تدلّ بطاقات هويّاتهم، ولكن ماذا أفعل وقد قرّر مختار بلدة سخنين بالعشم كما يقولون إنّني من مواليد العام 1940 حينما سأل الموّظف العسكريّ عن تاريخ ميلادي فأجابه بالنّيابة عن والدي، ولم يعترض أبي احترامًا لكلمة المختار؟

كاتبت الدّوائر الرّسميّة ليبحثوا لي عن تاريخ ميلادي فلم يجدوا لي اسمًا أو ذكرًا فلا شهادة معي ولا وثيقة تثبت تاريخ ومكان ولادتي. أنا حاضر في وطني وعلى أرض الجليل وفضائه وغائب في الملّفات الرّسميّة. وقرّرت أنّني لا أحتاج لشهادة ميلاد لأنّ تراب الوطن وحجارته وأشجاره وأزهاره وأشواكه وتينه وصبّاره وهواءه وبئر الماء والنّبع يعرفونني.

سجّل موّظف وزارة الداخليّة في بطاقة هويّتي وفي جواز سفري أنّني من مواليد يوم صفر صفر وشهر صفر صفر فأثار هذا التّاريخ الغريب فضول الموّظفين في المطارات فكانوا يسألونني عن معناه ويهزّون رؤوسهم ويعبرّون عن دهشتهم وهم يلفظون تاريخ ميلادي "زيرو زيرو".

وجاء عصر الحاسوب فرفض حضرته بعنادٍ هذا التّاريخ الغريب ووضع العراقيل في دربي في أثناء سفري في عدّة مطارات كما حدث لي في تورنتو وأتوا وبكّين وميونخ وغيرها.

توّجّهت الى سميرة الموظّفة اللطيفة في مكاتب وزارة الدّاخليّة في مدينة عكّا وشرحت لها مشكلتي فنصحتني أن أرسل رسالة مجدّدة الى الأرشيف في القدس كي يبحثوا عن تاريخ ميلادي ففعلت وجاء الجواب المتوّقع بعد شهر تقريبًا فنصحتني الموظّفة نفسها أن أختار تاريخًا لميلادي بموجب تصريح شخصيّ.

فكّرت طيلة أيّام وبحثت عن يوم ملائم ما بين 16 اذار و15 نيسان حيث أتوقّع ميلادي، وعلى الرّغم من أنّني لا أؤمن بالغيبيّات تذّكرت ما قاله العرّاف ليوليوس قيصر في مسرحية شكسبير فقرّرت أن أبتعد عن أيّام معيّنة من أواسط اذار كما ابتعدت عن يوم الأم ويوم الأرض اجلالًا لهما وابتسمت عندما فكرت بالأول من نيسان وأبيت أن أختار التاسع من نيسان ذكرى مجزرتي دير ياسين وجنين، وأخيرًا وبعد تفكير قرّرت أن أختار يومًا من أيّام العاشر من نيسان حتّى الخامس عشر منه فهذه أيّام ربيع جميلة ولا أعرف حدثًا سيئًا وقع فيها.

جلست أمام سميرة في مكتبها وقصصت وريقات بيضاء وكتبت عليها الأرقام من 10 الى 15 وطويتها وفركتها براحتيّ حتّى تكوّرت ووضعتها أمامها وقلت: اختاري وريقة!

فتساءلت مستغربة: أنا!

 فقلت: أجل.

 فقالت: هذا تاريخ ميلادك أنت.

اخترت وريقة واحدة من الأوراق وقرأت بصوت يحمل بشرى الميلادي: الحادي عشر!

وسّجلت سميرة في الحاسوب أنّني مولود في الحادي عشر من نيسان ودوّن الحاسوب تاريخ ميلادي في بطاقة هويّتي وجواز سفري.

سألت سميرة: هل تدركين ما فعلته الان أمامك؟

أجابت: ماذا تعني؟

قلت: أنا الوحيد الّذي اختار تاريخ ميلاده!

صمتنا قليلًا ونحن نتبادل النّظرات الّتي تحمل معاني عديدة ثمّ قلت بأسى: سلبتني النّكبة تاريخ ميلادي ومنحتني هذه السّابقة.