عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 شباط 2026

غزة.. الجحيم الذي يطالب ضحاياه بالصبر

د. حكمت نبيل المصري *

خرج المواطن الغزي من هذه الحرب محطما لا ناجيا. مثقلا بديون لا يعرف كيف سيسددها، وبجسد منهك تنهشه الأمراض في غياب العلاج، وبروح أرهقت حتى العظم من الانتظار والخذلان.

لا منزل يؤويه بعد أن صار الركام عنوانا، ولا وظيفة تعيله في اقتصاد قتل عمدا، ولا تأمين صحي يرحمه من طوابير الألم أو فواتير الموت البطيء.

يمشي في شوارع مدمرة لا تشبه المدن، فوضى كاملة تدار بلا قانون،

ضجيج لا يهدأ، تلوث في الهواء والماء والطعام، حتى التنفس نفسه صار فعل مقاومة.

لا قانون ينصف، ولا عدالة تقام، ولا أمان يعول عليه.

الخوف صار حالة دائمة، والأسوأ لم يعد احتمالا بل توقعا يوميا.

لا مال،  ولا أمل، ولا مستقبل يمكن تخيله.

أيام تتكرر بثقل قاتل، بلا معنى، بلا أفق.

وفي ذروة هذا الخراب، يخرج عليك من يقول بكل اطمئنان أخلاقي زائف: "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا".

أي خطاب هذا الذي يستخدم لطلب الصبر من المكسورين، لا لمساءلة من كسرهم؟

أي خطاب هذا الذي يطالب الضحية بحسن السلوك، بينما الجريمة ما زالت مفتوحة، والفاعل ما زال بلا حساب؟

عزيزي الغزي، المصيبة وقعت بالفعل.

أنت لا تختبر في إيمانك،

أنت تلقى في الجحيم ثم يطلب منك ألا تصرخ.

تحاسب على ذنب لم ترتكبه،

وتطالب بالصبر على خراب صنع بقرارات وسياسات، لا بذنوب فردية ولا بقدر أعمى.

تحويل المأساة إلى امتحان أخلاقي للضحايا ليس إيمانا،

بل تواطؤ.

واستخدام الدين لتخدير الألم بدل مواجهة أسبابه ليس وعظا،

بل تهرب من المسؤولية.

غزة لا تحتاج خطب صبر، ولا مواعظ تبرر العجز.

غزة تحتاج عدالة، ومحاسبة، وإنهاء جحيم يدار باسم السياسة حينا، وباسم الدين حينا آخر.

أما الصبر،

فقد استهلك…

حتى آخر إنسان.

---------

*صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات