فوز "القيصر" والتحديات الكبيرة
باسم برهوم
فاز الرئيس الروسي فلادمير بوتين بولاية رئاسية رابعة مدتها ست سنوات، من دون شك ان الشعب الروسي، الذي انتخبه بنسبه تفوق الـ 76% قد نصبه قيصراً في مرحلة حاسمة جدا سيتقرر خلالها موقع روسيا في سلم كبار النظام الدولي الذي يحتدم الصراع حوله.
عام 2000 عندما تسلم بوتين الرئاسة للمرة الاولى من بوريس يلتسن، كانت روسيا قد خرجت مهزومة من الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي، وكان هذا البلد العملاق يئن تحت وطأة الازمات الاقتصادية والاجتماعية، وكان الحديث يدور في حينه ان روسيا قد اصبحت من دول العالم الثالث الكبرى، لذلك يعود لهذا القائد الروسي الفضل في اعادة بناء روسيا ووضعها مجددا بين الدول المنافسة، انه باختصار حقق لروسيا الاستقرار والازدهار.
ومع ذلك، فإن الرئيس بوتين ومعه القيادة الروسية، وبرغم الانجازات المهمة، فإنهم يدركون انهم لا يزالون في منتصف الطريق، وان امامهم تحديات كبيرة كي يستقر موقع روسيا بالنظام الدولي الآخذ بالتبلور حالياً. من دون شك ان بوتين قد سجل نقاطا مهمة خصوصا في سوريا، ولكن حتى في هذا الامر لا يزال الحسم النهائي بعيد المنال.
المسألة الحاسمة التي تحدد موقع روسيا في النظام الدولي هو موقعها في الاقتصاد العالمي، فنحن نذكر ان الاتحاد السوفييتي كان الاقوى عسكريا، لكنه انهار بالأساس لأسباب اقتصادية، وبالتالي خرج مهزوماً من منافسة الحرب الباردة، التي استمرت لأربعة عقود. الرئيس بوتين الذي كان ضابطا في اهم جهاز مخابرات سوفييتي الـ "كي جي بي" وكان يراقب من موقعه عوامل انهيار الاتحاد السوفييتي، لا بد انه ادرك اهميه العامل الاقتصادي، باعتباره العامل الحاسم في أي صراع.
تحدي الاقتصاد، هو الابرز امام بوتين، فروسيا تأتي في المرتبة التاسعة او العاشرة عالميا الى جانب اسبانيا، فهي تبعد بمسافة كبيرة عن الولايات المتحدة الأميركية وحتى عن الصين التي تحتل المرتبة الثانية في الاقتصاد الدولي، ولتوضيح ذلك بالأرقام، فإن الناتج القومي السنوي للاقتصاد الأميركي يناهز 19 تريليون دولار، والصين بحوالي 12 ترليونا، واليابان ثالثا بحوالي 8 ترليونات. اما الناتج القومي لروسيا فيبلغ حوالي ترليون و300 مليار دولار فقط، كما ان الاقتصاد الروسي يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز والمواد الخام اكثر من اعتماده على الانتاج الصناعي المنافس.
القوة العسكرية الروسية هي التي تجعل من هذا البلد قوة عظمى منافسة، اضافة الى الخبرة السياسية المتراكمة كدولة عظمى، منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. روسيا هي الدولة المنافسة عسكريا للولايات المتحدة سواء بعدد الرؤوس النووية، او في الصواريخ العابرة للقارات، او في القدرة على تطوير اسلحة اكثر فتكاً، اضافة الى وجودها المنافس في الفضاء عبر ما لديها من اقمار صناعية، وما يمكن ان تكون عليه حروب المستقبل الفضائية بامتياز.
لدى موسكو اوراق قوة، حتى الآن استخدمها بوتين بذكاء، ولكن الطريق امامه لا تزال طويلة، خصوصاً ان المعسكر الذي يقف في مواجهته يمتلك القوة الهائلة اقتصاديا وعسكريا وعلى صعيد التفوق التكنولوجي. كما ان الصين الحليف المحتمل فإنها دولة عظمى لها مصالحها وحساباتها. فهي تنافس على الموقع الاول في قمة الهرم الاقتصادي الدولي، لذلك هي لا يمكن ان تكون دولة تابعة في محور دولي، وانما دولة تقود محوراً وهذه اشكالية بالنسبة للحليف الروسي.
السنوات الـست المقبلة "للقيصر" الروسي، هي سنوات حاسمة، والمهم في كل ذلك ان يحافظ على التوازن وان لا يقدم على مغامرة قبل أوانها أو ان يجر الى مغامرة ليست في مصلحة روسيا. الضمان لكل ذلك هو ان بوتين نفسه يمتلك من الذكاء ما يجعله قادرا على ضبط ايقاه طموحاته وان يجعل من سنواته المقبلة ثورة اقتصادية الى جانب قوته العسكرية، والمهم الا ينجح الغرب في جره مجددا الى سباق تسلح وحروب اقليمية تستنزفه.