عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 شباط 2018

الخروج من مأزق عملية السلام

باسم برهوم

من المؤكد أن جميع الاطراف المعنية بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي وبعملية السلام، جميعها تشعر أنها بحاجة للخروج من المأزق الذي وضعها فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا الاخير بإعلانه أن القدس عاصمة لاسرائيل إنما أخرج نفسه عن السياسة والدور الأميركي التقليدي الذي كان سائدا في عملية السلام منذ التسعينيات. فهذا الاعلان بالاضافة الى تخفيض الدعم الاميركي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "اونروا" باكثر من النصف يعني في واقع الامر تقرير مصير القضيتين الاهم والاكثر حساسية بالصراع بشكل منفرد بعيدا عن طاولة المفاوضات والقانون والشرعية الدولية.

قد يقول قائل ان اسرائيل لا تشعر أنها في مأزق، ولكن هذا الكلام ليس دقيقا، فما قدمه الرئيس ترامب لها على اهميته لا يحضى بأي شرعية وان الغالبية الساحقة في العالم ترفضه وتعتبره باطلا. كما ان اسرائيل لديها مأزق يتعلق بالخيارات، فدون السلام مع الفلسطينيين والتوصل الى حل الدولتين فإنها تقف امام خيار الدولة الواحدة وبما يعنيه ذلك من خطر ديموغرافي مصيري، وخطر يتعلق بادعائها بانها دولة ديمقراطية.

الولايات المتحدة بدورها قد تبدو ليست في مأزق ولكن عدم قبول الفلسطينيين لها كوسيط يفقدها الدور والتأثير المطلوبين في عملية السلام وادارة الازمة في الشرق الاوسط. والى جانب ذلك فإن واشنطن تواجه عزلة على الساحة الدولية سواء فيما يتعلق بموقفها من القضية الفلسطينية او بسبب قضايا اخرى.

الجانب الفلسطيني يرى المأزق على نحو مغاير، فإلى جانب خطورة اعلان وسياسة ترامب على مستقبله ومستقبل القضية الفلسطينية فإنه يدرك ان لا وجود لعملية سلام جادة وفاعلة دون آلية دولية جديدة تكون واشنطن جزءا منها. لذلك نلاحظ الجهد السياسي والدبلوماسي المكثف للرئيس محمود عباس من اجل ايجاد الوسائل لمعالجة الأزمة. من وجهة نظري ان المخرج الذي يسعى اليه الرئيس هو ايجاد آليات واطار جديد للمفاوضات يكون للولايات المتحدة دورا مهما فيها ولكن ضمن ضوابط يوفرها الاطار الاوسع والمرجعيات التي تقود فعلا الى حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية.

العرب المنشغلون بأزماتهم هم ايضا في مأزق، فهم بحاجة لعملية سلام تبرد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، تبريدا يمنحهم فرصة التفرغ لأولوياتهم التي فرضتها النزاعات الجديدة.

اوروبا هي الاخرى لها مصلحة في تحريك عملية السلام وتحقيق انجازات عبرها، واعطاء امل في المنطقة يمكن ان يمنع تدفق موجات هجرة جديدة.

وحدهما روسيا والصين لا تشعران انهما في مأزق، فالدولتان اللتان كانت واشنطن وتل ابيب تستبعدانهما من اي مساهمة فعلية في عملية التفاوض، فإنهما يشعران انهما في ظل المأزق الراهن قد تتاح لهما فرصة اكبر للمشاركة وهذا ما يسعى اليه الطرف الفلسطيني.

ان ملامح نزول جميع الاطراف عن الشجرة تبدو اليوم اكثر وضوحا خصوصا مع الجهد الذي يبذله الرئيس ابو مازن، فما تتم بلورته اليوم هو اطار يمكن ان يضم اللجنة الرباعية مع اللجنة العربية الرباعية اضافة الى الصين في اطار تنبثق منه المفاوضات القادمة. بما ان الاطار وحده ليس كافيا فإن التاكيد على المرجعيات المعروفة وهي قرارات الامم المتحدة والاتفاقيات الثنائية والمبادرة العربية هي امر مهم للخروج من المأزق الراهن.

في الايام الاخيرة نلاحظ ان هناك محاولة تقدم بها الولايات المتحدة، وبالتحديد ادارة ترامب لاخراج نفسها وغيرها من المأزق، فقد حاول وزير الخارجية الأميركي ريكس تلرسون خلال جولته الحالية في المنطقة تقديم بعض التوضيحات حول القدس، وذلك عندما قال إن المكانة الحالية للاماكن المقدسة لم تتغير، وان الحدود في المدينة يقررها الطرفان الاسرائيلي والفلسطيني. البيت الابيض بدوره وعندما تنصل من تصريحات نتنياهو التي قال فيها ان هناك مشاورات بين واشنطن وتل ابيب حول ضم المستوطنات لاسرائيل هو بمثابة محاولة تبرز خلالها واشنطن انها ليست على اتفاق تام مع نتنياهو.

الجانب الفلسطيني يرى في التوضيحات الأميركية بانها غير كافية، ولا تصلح لأن تكون قاعدة لاستعادة دورها كوسيط، فالولايات المتحدة عليها اولا ان تعلن بشكل واضح دعمها لحل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية وباعتبار القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين.

التطورات المتسارعة في الشرق الاوسط واحتمالات خروج الامور عن السيطرة قد يدفع صناع المأزق الى التعقل والنزول عن الشجرة في سياق العودة الى المفاوضات ضمن الاطار الاوسع والآليات والمرجعيات الواضحة التي تمت الاشارة اليها سابقا.