نبض الحياة - المواجهة المكشوفة
عمر حلمي الغول
المواجهة بين الولايات المتحدة والشعب الفلسطيني، مواجهة قديمة أقدم من اعلان الرئيس ترامب القدس عاصمة لإسرائيل في السادس من كانون الأول / ديسمبر 2017. ولكنها فيما مضى كانت تقوم على قاعدة إقرار الإدارات الأميركية السابقة (بعد التوقيع على إتفاقيات أوسلو 1993) بحق الفلسطينيين في استقلال دولتهم على حدود الرابع من حزيران عام 1967، والقدس الشرقية جزء لا يتجزأ من تلك الأراضي عبر التفاوض بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وعندما يحاول الأميركيون فتح قوس المناورة حول موضوع القدس، كانوا يستخدمون مصطلح "القدس عاصمة للدولتين". لكن الثابت في السياسة الأميركية يرتكز على ما ذكر آنفا. والدليل الأخير على ذلك انعكس في عدم استخدام إدارة أوباما السابقة حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن 2334 في الـ23 من كانون الأول 2016.
ورغم معرفة القيادة الفلسطينية المسبق بالانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل، غير انها قبلت العمل على أساس مبدأ "تناقض تفاهم تناقض" لدفع عملية السلام قدما للأمام. لا سيما ان الفريقين الأميركي والفلسطيني بحدود ما هو معلن ومنشور، وعبر الاتفاقات المبرمة بينهما الثنائية والأممية، أكدا رغبتهما بتحقيق تسوية سياسية. مع ان الإدارات المتعاقبة الجمهورية والديمقراطية لم تمارس نفوذها وصلاحياتها، كما يجب لإلزام إسرائيل باستحقاقات عملية السلام، الأمر الذي سمح لإسرائيل الاستعمارية باستباحة كل المصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية، وتجلى ذلك عبر تخندقها في مواقع الاستيطان الاستعماري، والعمل التدريجي على قتل عملية السلام الممكنة والمقبولة من قبل الفلسطينيين والعرب والعالم على حد سواء.
لكن مع مجيء إدارة الرئيس ترامب تغيرت معادلة التناقض والصراع بين الإدارة الأميركية والقيادة والشعب الفلسطيني والعالم ككل، فأصبح المبدأ الناظم للعلاقات الثنائية "التناقض التناحري"، وانتفاء جسور التواصل النسبي بينهما. ورغم إدعائه (ترامب) الرغبة في تحقيق السلام المنشود من خلال "صفقة القرن"، ومداهنته للرئيس ابو مازن خلال اللقاءات الأربعة، التي جمعتهما، والاتصالات الهاتفية الخمسة، التي تمت بينهما، حيث حاول الإيحاء بأنه جاد في بلوغ التسوية السياسية المنشودة، حتى انه كان يستخف بالرؤساء الأميركيين السابقين، كيف لم يتمكنوا من تحقيق التسوية السياسية؟
لكن هذا الادعاء المتعجرف انكشف على حقيقته وبشكل مثير للسخرية والغضب في آن، عندما أعلن اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل في كانون الأول الماضي. وكرر موقفه أكثر من مرة مع نائبه المتصهين بنس، بأن "القدس أزيلت عن طاولة المفاوضات!؟" وكأن القدس ملكية خاصة أميركية، وتناسى أنها أحد أهم ملفات التسوية النهائية مع قضية اللاجئين والاستقلال السياسي. ثم تابع مع أركان إدارته ذات الإسطوانة المشروخة بأن "القدس لم تعد عقبة". كأنه يحاكي نفسه، ويفترض ان ما يقوله "لا ينزل الأرض" باعتباره "قائد الكرة الأرضية المطاع" نتاج هواجس النرجسية والغطرسة الذاتية. ونسي أن الشعب الفلسطيني وقيادته الشجاعة والحكيمة والمرنة لن تقبل بإملاءاته ولا بسياسته، وفلسطين وعاصمتها القدس ليست للبيع ولا للمبادلة او التعويض. ولم يكن يتوقع ساكن البيت الأبيض أن الشعب الفلسطيني الصغير والضعيف، هو شعب عظيم وقوي بإمكانياته وبحقوقه العادلة، وبكفاحه الوطني واستعداده للتضحية دفاعا عن الثوابت الوطنية، وبتضامن العالم معه، وبرغبته الأكيدة والشجاعة بالسلام العادل والممكن والمتفق مع قرارات ومواثيق ومعاهدات الشرعية الدولية ومرجعيات عملية السلام.
ومع ذلك لم يراجع دونالد ترامب نفسه، ومضى أمس الاول في خطابه الأول للأمة الأميركية في التحريض على الشعب والقيادة الفلسطينية، ودعا المؤسسات التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة لمواصلة حصارها وفرض عقوباتها على الفلسطينيين، لأنهم رفضوا الالتزام بإرادته المجنونة والرعناء، واعتبر ذلك تحديا شخصيا له. لأنه لا يفقه الف باء علم السياسة، ولم يدرك ترامب صلابة وشجاعة الرئيس ابو مازن، معتقدا أنه رجل "ضعيف" و"يخشى المواجهة"، لكن الوقائع على الأرض، أكدت مرة أخرى لترامب وبنس ولإسرائيل من خلفهما، ان الرئيس عباس هو الأشجع، والأقدر على قول: لا كبيرة لأية إملاءات سياسية تنتقص من الحقوق والثوابت الوطنية. رغم ان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية لم يكن، ولا يرغب، ولا يريد أية مواجهة مع أي قوة سياسية عربية او دولية خاصة الولايات المتحدة، بل العكس صحيح عمل ويعمل على استقطاب الدول والقوى لجانب الحق الفلسطيني وبالحد الأدنى تحييدها، إلا في حال الاعتقاد بأن هذه الدولة او القوة ام تلك الشخصية تتآمر على القضية عندئذ تغلق كل الأبواب في وجهها. وبالنتيجة النهائية عندما تفرض المعركة عليه وعلى شعبه وأهدافه لا ينتظر ولا يتردد في الدفاع عن الذات والمصالح العليا للشعب الفلسطيني وبعيدا عن التطير والتطرف، ولكن بتصميم وعزيمة لا تلين.