عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 25 كانون الأول 2017

نبض الحياة - خيارات السلطة المفتوحة

عمر حلمي الغول

مجددا يثار موضوع السلطة الوطنية في الجدل الدائر حول مواجهة قرار الرئيس دونالد ترامب، حيث يعتقد اتجاه في الساحة الفلسطينية بضرورة إقدام الرئيس محمود عباس وقيادة منظمة التحرير على خيار حل سلطة الحكم الإداري الذاتي، وبالتالي نفض اليد كليا من تركة اتفاقيات أوسلو الثقيلة، التي لم يعد لها وجود في الواقع، بعد أن دفنتها حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ اغتيال إسحق رابين في نوفمبر 1995، ومع تولي نتنياهو رئاسة حكومته الأولى 1996، وبعد قمة كامب ديفيد 2 في تموز 2000، واشتعال هبة الأقصى 2000/2005، وفي أثنائها اجتياح شارون للمدن والقرى والمخيمات في عموم الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 وخاصة في الضفة، ومحاصرة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ثم تسميمه واغتياله 2004. وكون خطة خارطة الطريق 2003، ومؤتمر انابولس 2007 وغيرها من المحاولات الأميركية لم تتمكن من بعث الحياة في جسدها المثخن بالطعنات الإسرائيلية القاتلة، وجاءت حكومات نتنياهو الثلاث الأخيرة بائتلافها اليميني المتطرف الحاكم حاليا لتضع مشاريعها ومخططاتها الاستعمارية لتصفي دمها نهائيا.

لكن هذا الاتجاه ليس الوحيد المطروح على بساط البحث في الساحة الفلسطينية، فهناك اتجاه آخر لا يرى في حل السلطة توجها صائبا، بل مضرا، ويعيد مسألة الكيانية إلى الخلف كثيرا، ويبقيها في دائرة الإطار المعنوي الرمزي، أي في نطاق منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد. ولوجهة النظر الأخيرة مصداقية أعلى في قراءة أهمية السلطة كحامل للكيانية السياسية المستقبلية، أي الدولة الفلسطينية، الموجودة ركائزها تاريخيا في الواقع وعلى الأرض الفلسطينية، وتمكنت خلال الأعوام الماضية، رغم كل جرائم وانتهاكات إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، من تعزيز المكانة والهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية في المنابر العربية والإقليمية والقارية والأممية، وخاصة الارتقاء بمكانة فلسطين كدولة مراقب في الأمم المتحدة نوفمبر 2012، والانضمام للعشرات من المعاهدات والمنظمات الدولية بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية والإنتربول، وانتزاع القرار 2334 نهاية عام 2016 من مجلس الأمن، الذي أكد على حدود الدولة الفلسطينية المحتلة وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض اية انتهاكات أو تغييرات من قبل دولة الاستعمار الإسرائيلية، وتلازم مع ذلك صدور العديد من القرارات من منظمة التربية والعلوم والثقافة الأممية (اليونيسكو) لصالح الحقوق الوطنية الفلسطينية.

انطلاقا مما تقدم، فإن الضرورة تملي التمسك بالسلطة الوطنية، والعمل على حمايتها من الانهيار والتلاشي، لانها في الواقع أصلت لمؤسسات الدولة الفلسطينية، وباتت شخصية اعتبارية، تحمل مدلولا سياسيا واقتصاديا وقانونيا، وهوية تعكس الشخصية الوطنية الفلسطينية بالتلازم مع منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ولا يعني التلازم هنا مساواة السلطة بالمنظمة، او اختلال معادلة العلاقة بينهما، فالمنظمة ستبقى حاضنة أحلام وطموحات الكل الفلسطيني إلى ان تتحقق على الأرض. لكن أولوية المنظمة، وتابعية السلطة لها، لا ينتقص من مكانة السلطة في تمثيل الكيانية الوطنية، او باعتبارها التجسيد الواقعي على الأرض لنواة الدولة الفلسطينية.

ولا يوجد شعب في الأرض تقوم قيادته السياسية بحل كيانيته طوعا وإرادويا، رغم المثالب والثغرات الملازمة لها. ووجود السلطة لم يعد منوطا باتفاقيات أوسلو، التي باتت في خبر كان، حتى وإن كانت أحد إفرازات تلك الاتفاقيات. وهناك أمثلة كثيرة جدا في التجارب الداخلية والعالمية وعلى أكثر من مستوى وصعيد، تؤكد التالي: أن انبثاق مؤسسة أو كيانية أو ظاهرة من رحم ظواهر وعوامل متداخلة مختلفة، لا يلزمها بعد تبلورها بعوامل نشوئها، وتصبح شخصية اعتبارية مستقلة تتفاعل وتتصارع او تتكامل مع العوامل الأخرى، التي كانت سببا في ولادتها او غيرها من العوامل المحيطة بها. وبالتالي اتفاقيات أوسلو لم تعد قائمة، بل اندثرت. وموتها لم يدفن السلطة معها.

ولكن في حال أقدمت سلطات الاستعمار الإسرائيلية على حل السلطة، وتفكيكها، عندئذ لكل حادث حديث. وتصبح المعايير مختلفة، وتنقلب رأسا على عقب مركبات المعادلة السياسية. عندئذ يمكن الشروع برفع شعارات سياسية تتناغم مع طبيعة اللحظة السياسية، وعنوانها الناظم بالضرورة سيكون : الدولة الواحدة، والمناداة بالمساواة. ولكن قبل أن تشهر إسرائيل سيفها لقطع رأس السلطة وتشييعها لا يجوز الإقدام فلسطينيا على هذا الخيار. لذا التمسك حاليا بخيار بقاء السلطة الوطنية، يبقيها الخيار الأساسي للعملية السياسية، ولأهداف وآليات عمل القيادة الشرعية الوطنية.

[email protected]