عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الأول 2017

قرار "ترامب" وتداعياته المستقبلية على القضية الفلسطينية

المحامي د.ايهاب عمرو

أثار توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا أمام وسائل الإعلام باعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل غضب العالم العربي والإسلامي ومعظم العالم الحر، حتى في تلك الدول التي تجمعها قيم ومصالح مشتركة مع الولايات المتحدة الأميركية مثل كندا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي. حيث إن القدس تعد إحدى قضايا الحل النهائي التي تخضع للتفاوض ما يفرغ مفهوم السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط من مضمونه، ويجعل منه أثرا بعد عين. إضافة إلى خشية تلك الدول  من تأثير ذلك القرار في زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، الملتهبة أصلا، حماية لمصالحها.

وبموجب القرار المذكور فإن الولايات المتحدة ستقوم بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس الشريف ضاربا بعرض الحائط، أي ترامب، ما كانت الإدارة الأميركية التي يقف على رأسها قد اتفقت بشأنه مع القيادة الفلسطينية والتزامها بعدم إتخاذ مثل هذه الخطوة مقابل إلتزام القيادة الفلسطينية بعدم الانضمام للمؤسسات الدولية التي كانت تنوي الانضمام لها، وهو ما أثار حنق القيادة الفلسطينية التي رأت في ذلك القرار طعنة نجلاء في الظهر ما دفعها إلى توقيع طلب الانضمام إلى 22 منظمة دولية.

ومثل القرار المذكور مفاجأة للأردن التي تتولى رعاية الأماكن المقدسة في القدس الشريف، وهو ما يسجل بحق للقيادة الهاشمية الحكيمة وللشعب الأردني من شتى الأصول والمنابت.

وقامت القيادة الفلسطينية بالتقاط الرسالة التي ينطوي عليها القرار المذكور بسرعة كبيرة وتعاطت مع تبعاته السلبية المحتملة بجدية متناهية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، خصوصا أنه لم يبق شيء يمكن للقيادة الفلسطينية أن تخشاه بعدما فقدت الثقة في نزاهة الوسيط الأميركي الذي إنحاز بالكامل إلى الجانب الآخر بعد إصدار القرار المذكور. ذلك أن من شأن القرار المذكور المساهمة في ضياع الحقوق التاريخية العربية الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف.

وأظهرت التطورات الأخيرة حجم العزلة التي تعاني منها الإدارة الأميركية، ولو ظاهريا، على المستويين الرسمي والشعبي في كل أنحاء العالم ما يثبت عدم تساوق معظم دول العالم مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، تحديدا في إدارة ملف التسوية. وإلا بماذا نفسر تصويت مجلس الأمن بكافة أعضائه لصالح قرار يدعو لسحب الإعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل واستخدام  الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو"؟ وهو ما دفع القيادة الفلسطينية إلى المطالبة بإطار دولي متعدد الأقطاب يحكم عملية التسوية السياسية في المنطقة.

والتساؤل المطروح في هذا السياق يتعلق بالتداعيات المحتملة للقرار المذكور على مستقبل القضية الفلسطينية؟.

إن الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي الوقوف أمام حقائق معينة فرضها القرار المذكور سواء من جانب الولايات المتحدة الأميركية أو من الجانب الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي.

من جانب، من الواضح أن إمكانية تراجع الإدارة الأميركية الحالية عن القرار الذي أصدرته وفقا لحسابات معينة هي إمكانية معدومة في ظل ديناميات السياسة الأميركية الداخلية وقوة قوى الضغط داخل وخارج تلك الإدارة، إضافة إلى رؤية الإدارة الحالية لطبيعة التسوية في الشرق الأوسط، خصوصا في ظل عدم إلتزامها بحل الدولتين التي دقت آخر مسمار في نعشه وتنتظر اللحظة المناسبة لتشييع جثمانه، دون إدراكها أن ذلك قد يؤثر على المصالح الأميركية في المنطقة مستقبلا.

ومن جانب آخر، فإن تراجع القيادة الفلسطينية عن الخطوات التي قامت بإعلانها عقب إتخاذ القرار المذكور تعد إمكانية معدومة وغير واقعية وغير مقبولة على مستوى الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي الذي يطالبها باتخاذ خطوات أكثر حسما وأبعد أثرا مثل التحلل من العملية السلمية بالكامل بعدما فقدت تلك العملية السياسية مصداقيتها في رأي الكثيرين.

لذلك، يمكن القول ان التداعيات الإستراتيجية المحتملة للقرار المذكور تشمل نهاية عملية التسوية السياسية في منطقة الشرق الأوسط القائمة على حل الدولتين، مع ما يتضمنه ذلك من تحلل القيادة الفلسطينية، ولو ضمنا، من إلتزاماتها السياسية والإقتصادية السابقة التي نصت عليها اتفاقية أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي. إضافة إلى توقع قيام القيادة الفلسطينية بتسريع عملية المصالحة الداخلية ما يشمل إجراء انتخابات عامة ورئاسية مع ما قد يحمله ذلك من إمكانية حدوث تغييرات جوهرية على المستويات كافة، خصوصا السياسية منها. ناهيك عن إمكانية إتساع رقعة حجم الإعتراض الشعبي والرسمي مستقبلا على القرار المذكور على مستوى العالم بشكل عام، وعلى مستوى الإقليم بشكل خاص، نظرا للمكانة التي تتمتع بها مدينة القدس الشريف في وجدان العرب والمسلمين والمسيحيين حول العالم ما يوحد جهودهم خلف بوصلة واحدة جامعة لا مجال للاختلاف حولها.