عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 آب 2017

منهج تفكير وطني يقود لموقف وطني

باسم برهوم

تساءلت وربما يتساءل معي كثيرون، كيف يبني بعض الفلسطينيين مواقفهم السياسية ويحددونها؟

السبب وراء ذلك هو هذا الارتفاع الملفت في منسوب الفوضى والعشوائية في اتخاذ المواقف.

البعض يرجع سبب ذلك الى الظاهرة الخطيرة الناجمة عن التطور الحاصل في ادوات التواصل الاجتماعي والاستخدام الخاطئ لها، وبالتالي ظهور هذه العشوائية والفوضى التي تخلقها هذه الادوات اما بسبب تسريب اشاعات وبثها او نشر اخبار ملفقة ليست مستندة الى مصدر ذي مصداقية.

هذا الاستنتاج متسرع بعض الشيء، خصوصا اذا تعمقنا بالمشكلة اكثر لنجد ان الظاهرة، ظاهرة الفوضى والعشوائية ليست جديدة انما صاحبت الشعب الفلسطيني على امتداد مئة سنة من الصراع. لماذا اذا هذه العشوائية في بناء المواقف؟

من وجهة نظري أن السبب يعود الى فقدان البعض لمنهج التفكير الوطني، وغياب الأسس الضرورية لبناء موقف وطني فلسطيني صحيح. يضاف الى ذلك وفي احيان كثيرة النقص المعرفي والمعلوماتي عن القضية الفلسطينية وتاريخها، وغياب الادراك للمعادلة الرئيسية التي تحكمت ولا تزال في الصراع منذ نشوئه وحتى اليوم.

ولكي تكون الصورة اكثر وضوحا لا بد ان نشير هنا إلى ان احد اسباب هذه الفوضى والعشوائية تعود الى الماكينة، بل الماكينات المعادية الكثيرة التي تعمل ليل نهار لتشويه الوعي الوطني الفلسطيني وحرفه عن مساره، وإضعاف الانتماء للهوية الوطنية، وزعزعة الثقة بالنفس، والأهم من ذلك كله استهداف ذاكرتنا الوطنية الجماعية التي دونها سنتحول بالتأكيد الى جماعات لا رابطة بينها، او الى سكان محليين لا حقوق سياسية لهم، وذلك كما عرفنا به وعد بلفور المشؤوم الذي لا تزال اسرائيل تتعامل مع الشعب الفلسطيني على أساسه.

لذلك فإن منهج التفكير الوطني والأسس والمحددات الوطنية هي النقطة المركزية في بناء موقف وطني صحيح. هذا المنهج بسيط ويستند اساسا الى اربعة أسئلة على الفلسطيني ان يسألها لنفسه عند بنائه لموقفه.

السؤال الأول، وهو سؤال الهوية، فالاجابة على سؤال من انا؟ ومن نحن؟ هي مسألة حاسمة في بناء الموقف الوطني فإذا جاءت الاجابة على هذا السؤال أنا فلسطيني ونحن فلسطينيون نكون قد وضعنا انفسنا على الاساس الاول الصحيح لبناء الموقف، فكثير من هذه الفوضى والعشوائية هي ناجمة عن الاجابة الخاطئة على السؤال كأن اجيب انا مسلم او مسيحي او عربي اولا، فالبرغم من اهمية هذه المكونات وضرورتها لتعريف الهوية فانها في الوقت نفسه قد تقود صاحبها الى اولويات غير الاولويات الوطنية أو الى مشاريع غير المشاريع الوطنية وهنا يكمن الخطأ في التحليل وبناء الموقف.

السؤال الثاني، وهو متعلق بتحديد من هو العدو الرئيسي وما هي طبيعته؟ السؤال البوصلة.

الاجابة على هذا السؤال بالنسبة للفلسطيني يجب ان تكون العدو هو الاحتلال الاسرائيلي المستند الى المشروع الصهيوني التوسعي، المشروع الذي ينفي وجودي ويرفض الاعتراف بحقوقي السياسية في وطني. هذا الجواب البوصلة هو الذي يبعدنا عن تغليب تناقضاتنا الداخلية على صراعنا مع العدو الرئيسي، او انخراطنا في معركة ضد عدو مؤقت هو ليس عدونا.

السؤال الثالث، ويتعلق بادراك ومعرفة المعادلة الرئيسية التي تحكمت ولا تزال تتحكم في صراعنا مع اسرائيل وهي المعادلة التالية:

عدو اسرائيلي صهيوني توسعي لا يزال يتوسع على حساب ارضنا الوطنية، في مقابل شعب فلسطيني يقاوم ومستمر في مقاومته لكنه ممنوع من ممارسة حقه في تقرير المصير، والتشديد هنا يجب ان يكون على كلمة ممنوع من حقه.

ادراك هذه المعادلة وادراك حجم الظلم الذي يقع علينا كشعب فلسطيني، هو ظلم يتحمل مسؤوليته المجتمع الدولي وبالتحديد الدول الكبرى التي منعت ولا تزال تمنعنا من ممارسة حقنا في تقرير المصير. ادراك هذه المعادلة يقودنا الى التقييم الموضوعي والحقيقي في الاجابة على السؤال اين أخطأنا واين اصبنا وذلك دون ان نجلد انفسنا ودون ان نتبادل التهم بالخيانة والتفريط والتنازل. فعلى الجميع ان يعلم ان قيادات الشعب الفلسطيني بدءا من الحاج امين الحسيني ومرورا بأحمد الشقيري وياسر عرفات وانتهاء بالرئيس محمود عباس كل هذه القيادات حاوت ما بوسعها لكي تغير المعادلة المذكورة بكل اشكال النضال العسكري والسياسي والشعبي لكنها لم تنجح ليس لأنها مقصرة، وانما لان المجتمع الدولي لا يريد ان نمارس حقنا في تقرير المصير. والدليل - اننا الشعب الوحيد الذي لا يزال دون دولة حتى الآن.

السؤال الرابع، المتعلق بالكيفية التي نحدد فيها موقفنا من الأحداث والتطورات من حولنا فالسؤال هنا هل هذا الحدث أو ذاك يصب في مصلحتنا الوطنية ومصلحة قضيتنا أو انه يضر بنا وبها الاجابة على هذا السؤال تجعلنا نتخلص من الرهانات على كل من يحاول ان يستخدم القضية الفلسطينية ونضالات الشعب الفلسطيني ودماءه لمصلحته او كورقة مساومة مع القوى الاخرى. وهنا يجب ان نلاحظ ان من يستخدم القضية قد يستخدم احيانا ادوات فلسطينية، وهنا يجب ان نكون حذرين او متنبهين لانه ليست كل اداة فلسطينية او اي عمل ضد اسرائيل هو لمصلحة قضيتنا.

واذا اردنا ان نجمل كل ذلك في مقولة او وصفة تخلصنا من الفوضى والعشوائية والسطحية فهي ممكن ان تكون كالتالي كطريقة لبناء موقف وطني صحيح.

(انا فلسطيني، او نحن الشعب الفلسطيني اصحاب قضية وطنية واحدة عدونا واحد رئيسي هو الاحتلال ومشروعه الصهيوني التوسعي نحن نقاوم ونستمر في مقاومته لكن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية منعنا من ممارسة حقنا في تقرير المصير بدرجة اساسية).

هذه المقولة والتي بمثابة البوصلة لا تعني سوى بناء موقف وطني صحيح ووسيلة لإجراء نقاش وتقييم موضوعي حول السياسات والقرارات من حيث صوابيتها او خطأها، او من حيث صحة موقف هذه القيادة او تلك.

هذه المقولة التي بنيت على اساس المعادلة المتحكمة بصراعنا هي الوسيلة لتعزيز وحدتنا والاستمرار في نضالنا حتى تقرير المصير على أرضنا ووطنا.