عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 تموز 2017

من بيدر الحياة - السائق

عبد السلام العابد

سألني السائق العمومي أبو أحمد، ونحن جالسان في ظلال شجرة زيتون: ألم تتابع حملة الانتقادات التي شنها المواطنون على السائقين؟، أجبت: بلى. قال: لماذا؟. قلت: بسبب الحوادث المرورية القاتلة التي أودت بحياة العشرات من الأبرياء، والناتجة عن تهور بعض السائقين، وسرعتهم الجنونية، ومخالفاتهم الزائدة عن الحد. قال أبو أحمد: يا أخي، أنا أشتغل في مهنة السياقة، منذ أكثر من عشرين عاما وأسافر كل يوم من مدينة إلى أخرى، وأعتز؛ لأنني والحمد لله، لم أتسبب في حادث مروري واحد. ولكنني أعتقد أن الاتهامات التي يطلقها الناس على السائقين العموميين غير مبررة، وفيها مبالغة، فما رأيك؟. أجبت: أعتقد أن التعميم غير صحيح، وفيه قسوة وظلم. فهنالك نماذج ممتازة لسائقين ملتزمين، وهنالك نماذج سلبية لسائقين متهورين طائشين يسببون الكوارث والمآسي والأحزان في قلوبنا. قال أبو أحمد: أنا أتفق معك الآن، فالسائقون إخوة أعزاء من أبناء شعبنا، وقد كان دورهم الوطني كبيرا، وما يزال... هل تذكر الليالي والأيام التي تعرضنا فيها للحصار ومنع التجوال وإغلاق الطرقات؟. لقد كان السائقون يقومون بأعمالهم خير قيام، ويضحون ويخاطرون؛ لتأمين وصول المواطنين إلى قراهم ومخيماتهم ومدنهم، وجامعاتهم ومؤسساتهم وأعمالهم، وهنالك جرحى وشهداء من السائقين، ارتقت أرواحهم إلى العلا، أثناء قيامهم بمهام عملهم، ورسالتهم السامية. سألت مستدركا: ولكن يا أبا أحمد، يحق لنا انتقاد الأخطاء، ومحاولة تصويبها؛ من أجل أهلنا وحاضرنا ومستقبلنا. ويسعدني أن أستمع لتجربتك العملية مع مهنة السياقة، فأنت سائق عمومي، منذ زمن طويل، ومهنيتك تستحق الإشادة بها، والاستفادة منها وتعميمها.

ارتشف أبو أحمد رشفة من قهوته، وابتسم ابتسامة مشرقة، وقال: والدي العزيز كان سائقا ماهراً، يصول ويجول في مدن فلسطين والمدن العربية المجاورة بسيارته.، قبل عام 1967م، ولم يسمح لي بقيادة سيارته إلا بعد أن تقدمت رسميا إلى إحدى مدارس السياقة للتعلم والتدريب، وفشلت مرتين قبل أن أنجح في الامتحان النظري، كما أنني نجحت بجدارة في الامتحان العملي، بعد تقديم فحصين، امتلكت بعدهما رخصة قيادة، وخضعت لفترة طويلة من التدريب وممارسة السياقة بصفتي سائقا جديدا. وبعد هذا التدريب المكثف، سلمني الوالد السيارة، وهو يوصيني: أنت صاحب رسالة وأمانة ومسؤولية، إياك يا ولدي من السرعة الزائدة عن الحد المسموح به. أرواح الناس غالية، عاملهم بمحبة واحترام وذوق وأخلاق، وابتعد عن النرفزة والملل والغضب، والتسابق والمنافسة غير الشريفة على تحصيل الرزق، والتزم بقوانين المرور، وليكن شعارك هو: الوصول بأمان. والحمد لله، فقد سرت على هدي هذه المبادئ الجميلة.

وختاما سألته: ما الوسائل التي تراها مناسبة؛ للحد من حوادث السير القاتلة؟. أجاب السائق المجرب أبو أحمد: الالتزام بالمبادئ السابقة، وعدم منح الرخصة إلا لمن يستحق، وإخضاع السائقين لدورات تدريبية وتثقيفية، في كيفية التعامل مع الجمهور والسيارات والشوارع، والتركيز على ممارسة أخلاقيات مهنة السياقة، وكذلك تحديث القوانين وتجديدها،من قبل الجهات المسؤولة، وتنظيم الأسواق والشوارع والطرقات والمنعطفات،ووضع إشارات المرور والمراقبة الدائمة والمتابعة المستمرة من أجهزة الشرطة والمسؤولين، وتنفيذ قاعدة الثواب والعقاب بشفافية وعدالة، وتحديد سرعة السيارات، بما يتناسب وطبيعة شوارعنا، وتجنب التجاوزات الخطرة، وعلينا أن نؤمن بتلك الحكمة البليغة، قولا وتطبيقا: (في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة).