تغريدة الصباح - عمر أعطيني...
حنان باكير
في زمن الحروب، يتساوى الجميع في مواجهة موت يخبط "خبط عشواء". نحيا بالصدفة ونقضي بالصدفة. البعض يسميها حسن الحظ أو سوء الطالع، ويقول الكبار، "إنت وقديش الله كاتب لك تعيش"! لكنها تبقى تقادير تأخذ مجراها، ولا راد لها.
فحين كان يبدأ القصف، خلال الحروب المتناسخة التي شهدناها في لبنان، كنا نحتمي في الغرف الآمنة في بيوتنا، أو في الملاجئ، وعلى درج البناية. لكن أن تنجو قبيل دقائق، من انفجار، قد يحولك الى حفنة رماد، فهي مسألة حظ. وهذا ما حدث معي. وفي كل مرة أنجو من حادثة، أتذكر المثل الذي كانت تردده جدتي "عمر أعطيني وبالبحر إرميني". أو "مثل القطط بسبع أرواح"، ولا أدري السند الطبي، للمثل الأخير. لكننا درجنا على استعماله.
فنجان قهوة، أنقذني من مناحيم بيغن! ففي منطقة الفاكهاني تسكن تلك المرأة التي كانت تطرز لي فستانا فلسطينيا. وكنت على موعد معها، لمتابعة الموضوع، وبما أن مكتب أخي في الجوار، فقد ألح علي بالمرور وشرب فنجان قهوة، قبل موعدي مع المرأة. تم الاتفاق على الموعد بحضور أبي.
صباح اليوم التالي، وقبل الذهاب الى مواعيدي، مررت بأختي لأمر سريع، لكن إصرار ابنتها على شرب فنجان قهوة، دفعني للبقاء قليلا. ثم غادرت باتجاه منطقة الفاكهاني، التي هدد بيغن، بإخراج الينابيع منها! أي قصفها بشدة.
من محطة الدنا على مفترق طرق يوصل أحدها الى منطقة الفاكهاني، بدا لي أن الناس يقودون سياراتهم بطريقة موتورة أكثر من المعتاد، لم آبه للأمر، نوافذ سيارتي مغلقة، وأنا أدندن مع زياد الرحباني أغانيه المجنونة.. من طلعة جامع الإمام علي، ازداد جنون السيارات، وتعالت أصوات الزمامير، وتابعت طريقي، إلى أن بدا لي أن في الأمر خطبا ما. فتحت نافذتي وأسكت صوت زياد الرحباني. كان صوت الانهيارات واضحا، وبدت لي بعض الأبنية وهي تتهاوى، وحالة هستيريا تعصف بالناس، ولا مجال أمامي للتراجع أو التقدم، فاندمجت في حمى السيارات المجنونة.. قدت سيارتي بجنون قافزة بها فوق الرصيف الفاصل، الذي يتوسط الشارع وعدت أدراجي. توقفت على مسافة، لألتقط أنفاسي، وأستطلع الأمر، وأطمئن على أخي، لكن المنطقة أغلقت بالكامل.
انقضى النهار، والعائلة في حالة انهيار، وأيقنا أنه هالك لا محالة.. لكنه عاد بعد ساعات طوال. وسبب التأخير، هو خوفه من العودة الى البيت، ظنا منه أني قضيت في القصف، فهو يعرف دقة مواعيدي، وبعد مشاهدته سيارة تشبه سيارتي، وقد تحولت الى هيكل عظمي محترق، وأنه لن ينجو من تأنيب أبي، وتحميله المسؤولية، وكان قبل عودته، قد أرسل جاسوسا، يراقب بيت أهلي، إذا ما كان هناك مظاهر تدل على وجود حالة موت ما!
في ديسمبر من كل عام، ومع ولادة السيد المسيح، أولد معه من جديد. والسبب هو مجموعة من قصص الأطفال بطبعة أنيقة، كانت قد صدرت في العراق، وكادت رغبتي في الحصول عليها، تودي بحياتي. إذ لم أهتد الى مكتبة تبيعها. أحد الأصدقاء قال، إنه يمكن العثور عليها في مكتبة السفارة العراقية. وأن المشرفة على المكتبة سيدة لطيفة، لكن علي تحملها، فهي تعشق الثرثرة.
وذات يوم قضيته أجول في محلات الألعاب، وشراء هدايا عيد الميلاد. وقد كدستها في صندوق السيارة. وقررت المرور بطريقي، الى مكتبة السفارة العراقية، من أجل قصص الأطفال. توقفت قريبا منها. ولا أدري كيف جاءني هبوط في العزيمة، وتعب شديد، ربما كان نتيجة، الدوران في الأسواق. فترددت في النزول من سيارتي، بابي مفتوح، ورأسي مسند على مقود السيارة. شعرت أن لا طاقة لي على الكلام والثرثرة.. فتابعت سيري، عائدة الى البيت. وبعد مسافة قصيرة سمع صوت انفجار قوي، إهتزت له السيارة وارتعدتْ. وإذا بالإذاعة تعلن خبر آنفجار كبير في السفارة العراقية! يقال إن بعض الحيوانات تستشعر الكوارث الطبيعية قبل حدوثها.. فهل ما أصابني من عارض صحي، فيه شيء من هذا!
أعترف أني كنت على قدر من رعونة غير محتملة! رعونة عرضتني للتهلكة مرات ومرات، وأودت بي الى مخاطر، كان خروجي منها معجزة.. ولكن ماذا أفعل بهذا القدر الحرون، الذي يصر على منحي أفراحا زائلة، ويعطيني فرصا لمقارعة، قهر يتناسخ ويمتد على امتداد أزمان رديئة، كنت لا أتمنى أن أشهدها!