عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 04 تموز 2017

حوادث.. وفواجع

من بيدر الحياة – عبد السلام العابد

كان إنسانا ً مفعما ً بالحيوية والنشاط، شق درب حياته بعصامية وهمة لا تعرف اليأس. أنهى دراسته الثانوية بنجاح، وتابع دراسته في إحدى الكليات الجامعية في الأردن. عاد إلى بلده واشتغل عاملا ً في عدة مجالات، إلى أن توفق بإيجاد عمل دائم له، يناسب تخصصه العلمي.
في مقر عمله كان مثالا ً للموظف المجد الذي يخدم المواطنين، بمحبة وتعاون ورحابة صدر. قال لي ذات يوم: جاءني أحد المواطنين، وعندما عرفته على نفسي، تذكرك وأدرك أننا من قرية واحدة، وهو يهديك السلام. تزوج وأصبح له بيت مستقر، وأعطاه الله ولدا ً وبنتا ً رائعيْن، الولد في بداية فتوته، يفيض شبابا ً ومرحا ، والبنت جميلة وذكية، قال لي: ابنتي في الصف الخامس، وعندما قرأت في درس اللغة العربية قصتك "العش" الموجودة في المنهاج، طارت سعادة ً وفرحا ً... وقالت لمعلمتها وزميلاتها بسرور: معلمتي، كاتب هذه القصة من بلدتنا، وهو صديق أبي، وأنا اعرفه". 
سكن في مدينة رام الله، ولكنه كان يزور قريته بانتظام، ويطمئن على أمه وإخوته وإخوانه... آخر مرة قال لإخوته: أنا مصر على أن أتشرف بدعوتكم؛ لحضور حفل غداء شعبي فلسطيني.. وسأحضر أخواتي المتزوجات من بيوتهن؛ حتى يشاركننا هذا اللقاء العائلي البهيج. وكان له ما أراد. ودّع إخوته وأخواته وبيته وبلده وأصدقاءه، وسافر إلى مقر عمله في رام الله.. وفي الطريق، تعرضت سيارته لحادث مروري خطير جدا ً.. صدمته سيارة مسرعة جدا، وغير ملتزمة بقوانين المرور وأنظمته، وكانت نتيجة الحادث مأساة كبيرة، ومصيبة عظيمة..
 مات صديقي الطيب، ذو الأحلام الكبيرة.. وماتت زوجته.. وصعدت روحا ابنته وابنه إلى بارئهما، وغرق بيت الأسرة في الظلام... بعد أن كان مضيئا ً وعامرا ً بأهله. 
******* 
كان يغادر بيته كل يوم، ويذهب إلى عمله الذي يحبه، يخدم المسجد، ويؤذن، ويؤم المصلين...وبعد انتهاء أعماله، يعود ثانية إلى بيته وأسرته... يتفقد أحوالها ويلبي حاجاتها.. ويرعى أطفاله.. ويرشد أبناءه نحو الخير والفلاح، وكان عاشقا ً للأرض، ومحبا ً لأسرته الصغيرة ووطنه الكبير.
ذات يوم، ركب دراجته الهوائية، وانطلق قبيل الظهيرة؛ ليمارس عمله المعتاد.. كانت تمر به السيارات مسرعة، وما أكثر المرات التي تعرض فيها لمخاطر مرورية أثناء ذهابه وعودته من عمله، وفجأة اصطدمت سيارة مسرعة بدراجته، فحملته قوة الضربة عاليا، وألقت به على الأرض الصلبة.. تجمع المواطنون، وطلبوا الإسعاف، وحملوه إلى المشفى غائبا ًعن الوعي.. وبقي في غرفة العناية المكثفة عدة أيام، ولكنه فارق الحياة.. وترك وراءه زوجة ثكلى وبنات ٍ وأولادا ً في عمر الورود.... يفتقدون أباهم...ويبكونه...ويستعيدون ذكرياتٍ دافئة ولياليَ حلوة، وأياما ً جميلة لن تعود!.