عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 تموز 2017

تغريدة الصباح – لست وحدك لاجئا

حنان باكير

ذات زمن مضى، ارتبط اللجوء باسم الفلسطيني وحده، لا شريك له في هذه الصفة. ومنذ بدايات الوعي الطفولي، لم أكن أفهم معنى "لاجئ فلسطيني"، لكني أستشعر أمرا يفوق طاقة إدراكي، وأني نبتة في غير تربتها، وتسكنني غربة، لم أستطع تسميتها بالغربة في تلك السن المبكرة، لكني ما زلت أتذوق طعمها كلما استذكرتها.. مشاعر لا أدري كنهها ولا من أين جاءتني، رغم أننا لم نعش عذابات اللجوء، التي عرفها العديد ممن عُرفنا "بجيل النكبة". ولم نكن يوما بأقل من أترابنا اللبنانيين. ومع ذلك.. كان هناك ما يعتمر في نفسي، من مشاعر توحي، بأننا في وضع غير طبيعي، تلك المشاعر، أيضا منحتني اعتزازا بفلسطينيتي، ودون إدراك واضح، لكل ما يدور حولي. ربما مرجعها البحبوحة المادية، والعنفوان الذي منحني إيّاه أبي، بسبب تعامله المميّز معي.

فأبي الذي عرف ذل يتم الأب، وتخلي الأم عن أطفالها، حرص دوما على إغداق كرمه المادي والعاطفي، الى أقصى الحدود. موضوعي ليس شخصيا، رغم أنه يبدو كذلك. لكنه يطرح موضوع الهوية، في زمن يعلو ويتسارع فيه اللهاث خلف هويات "محترمة"، تؤمن الحد الأدنى من الحرية والشعور بكرامة إنسانية، لم تدخل قاموس الإنسان العربي. فالتمييز الطبقي يطال حتى الهويات. هوية تفرض احترام الآخر لك، وهوية تودي بك الى التهلكة.

كانت الهوية الفلسطينية، التي هي وبال على حامليها اليوم، كانت في ما مضى من زمن، تحتل مكانة مرموقة، يوم كانت فلسطين مقصد العرب للعمل. لكن نكبة الـ 48، وما نتج عنها من لجوء وتشرد، أطاحا بهيبتها ومكانتها.

جاء "الربيع العربي"، وأسقط تلك الفرادة الفلسطينية. وانضمت قوافل لا تحصى، من شعوب عربية كثيرة، الى حمل تلك الصفة اللعينة. وتحوّلت تلك الجموع من اللاجئين الى مادة دسمة للفضائيات، تنقل معاناتهم وعذاباتهم في دروب آلام طالت وتنوعت.

لم أستطع التمييز بين الهجرة واللجوء، إلا حين عملت في الدوائر المهتمة، بهذا الموضوع. قوافل اللبنانيين التي فرّت زمن العهد العثماني وحتى الفرنسي، أطلقت عليهم تسمية "المهاجرين"، وليس اللاجئين. وأدركت معاناة أولئك المهاجرين الأوائل، بسبب اعتمادهم على أنفسهم، لتدبير معيشتهم، في ظل عدم وجود النظام الاجتماعي آنذاك، لدعمهم وتقديم المساعدات المرفهة، التي يتلقاها لاجئو اليوم. وقد حفلت كتابات المهاجرين، بتصوير معاناتهم، وعدم إيجاد أمكنة تأويهم.

أتذكر أغنية أحمد قعبور "لاجئ، سمّوني لاجئ".. لأن هذه التسمية وسمت الفلسطيني وحده، والتصقت على جلده. في النرويج، أو في أي مكان تلتقي بأوروبي، ويسألك من أين أنت، تجيبه: فلسطيني من لبنان، فيبادرك، آه، من أي مخيم أنت؟ فأجيبهم: إنها فلسطين وليست مخيما.. لأن الفلسطيني جاء من فلسطين، ولم يخلق من مكان اسمه "مخيم". وكأن المخيم هو رديف للفلسطيني. فهم لم يسمعوا بالمليارات التي حملها بعض اللاجئين الفلسطينيين، ولا بالطاقات الأكاديمية والفنية، التي أسهمت في بناء نهضة لبنان والعديد من الدول العربية، بل صارت الصورة النمطية للفلسطيني، هي الفقر والمخيم والتعتير!

يوم زارني بعض الشعراء والكتاب النرويجيين، في شقتي بشارع الحمرا، ذهلوا جميعا، بحجم الشقة وموقعها وآثار عز ماض، أبدوا جميعهم الملاحظة ذاتها: ما دمت تعيشين هنا ولديك سيارتك.. فما الذي رماك الى جحيمنا البارد؟! فكل المهاجرين، هم لاجئون معدمون من كل شيء!

أن تحمل جواز سفر بريطاني، أي حلم جميل يداعب خيالاتنا. وحينها ننسى أنها الدولة المستعمرة، التي لولاها، لما صرنا لاجئين. إنه جواز سفر يفتح لك أبواب جنان الكون كله. ومع ذلك فقد قرأت منذ أيام، عن رحيل أعداد كبيرة من البريطانيين الى ألمانيا وفرنسا، للحصول على جنسيتيهما!! بدأت هجرتهم بأعداد قليلة، حين بدأ مجلس العموم، مناقشة انسحاب بريطانيا العظمى من السوق الأوروبية. وتصاعد العدد بعد الإنسحاب منها، ويبررون الأسباب بأنهم، يودّون تأمين حياة أفضل لأبنائهم !

وتدرس السلطات الفرنسية، طلبات الجنسية للبريطانيين، بالشروط المطلوبة من أي مقيم على أرضها، وجود عمل يؤمن احتياجاتهم، وعدد سنوات إقامتهم في فرنسا، وللمتزوجين من فرنسية، أن يثبتوا تاريخ زواجهم، تجنبا للزواج الأبيض، أي المصلحة..

الهوية ليست ورقة، مطرزة بكلمات مختصرة، إنها مخلوق من صنع البشر، فإذا كانت الأمة عزيزة، رفعت مستوى هويتها، وإن هانت.. أهينت وذلّت هويتها!