من بيدر الحياة
رمضانيات 2017.. عبد السلام العابد
(14)
كم نحن بحاجة إلى اللين والرفق، في حديثنا ومناقشاتنا ومجادلاتنا وسلوكنا ومعاملاتنا اليومية مع بعضنا. يكفي ما نعانيه من مآس ٍ، وضغوطات وصعوبات في العمل والحياة. إن ديننا وثقافتنا منبعان غنيان ومليئان بالآيات والحكم والأمثال الواعية الداعية إلى الاتجاهات الايجابية في حياتنا. قال تعالى: (وقولوا للناس حُسنا)، وفي آية ٍ أخرى: (خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين). وهذا رسولنا عليه السلام يقول: (إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه)، ويقول أيضا: (يسّروا ولا تعسّروا، وبشروا ولا تنفروا). وهذا حكيم ٌ يقول: (الكلام اللين يلين القلوب التي هي أقسى من الصخور، والكلام الخشن يخشّن القلوب التي هي أنعم من الحرير)، (ومن لانت كلمتُه وجبت محبته). فاللين َ...اللين َ...والرّفقَ...الرَفقَ يا أعزائي.
(15)
كثيرة هي النعم التي منحنا الله إياها. أغمض عينيك، وتخيّل وتأمّل: جسمك دون يدين، أو عينين، أو قدمين أو أذنين. لو أن عقلك أصابه خللٌ ما، أو أن دمك لم يَسر ِفي شرايينك أو أن جرثومة هاجمتك، أو أن فيروسا ً تسلل إلى أعضائك، دون أن يكون هنالك جهاز مناعة للصد والمقاومة.
تخيل لو أنك لا تتمكن من تنتاول هذه الأطعمة الشهية، ولا تتذوقها.. هذه أجزاء ٌ قليلة من نعم الله علينا، وهي حقا ًنعم ٌلا يمكن عدها، نتمتع بها، ولا نقدّر قيمتها إلا في حالة فقدان واحدة ٍ منها، عندئذ ٍ نتألم ونتحسر ونشكو !.قال تعالى: (وما بكم من نعمة ٍ فمن الله، ثم إذا مسّكم الضُّر ُ فإليه ِ تجأرون). (والله ُجعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون).
(16)
ونحن أطفال صغار، كنا نصر على الصوم، نتحمل الجوع والعطش، ونقاوم رغبتنا الشديدة في تلبية نداءات عروقنا لإطفاء حرارة عطشها، أو الاستجابة لحاجات بطوننا لسد جوعها. وكانت هذه الإرادة هي التي جعلتنا نتحدى الظروف الصعبة ولا نستسلم للنكوص والتقاعس عن أداء الواجبات، وفي مقدمتها الصيام، هذه العبادة الإلهية التي تحتاج إلى قناعة وإيمان وتدريب على التحمل والصبر منذ الصغر.
كم كنا ننتظر المساء، وروعته المدهشة!!...كم كانت طقوس الغروب الرمضاني مفرحة!. وكم كانت فرحتنا عظيمة، حين تترقب عيوننا التي كحلها الانتظار المؤذن وهو يرتقي درجات المسجد؛ ليجلس منتظرا ً موعد الأذان، فيما كنا نراقب سكناته وحركاته وساعته البيضاء التي كان يخرجها من جيبه، بين الحين والآخر، وما ان يقف بقامته المديدة، ويضع راحة يده ِ على أذنه، ويرتفع صوته مؤذنا، حتى تنطلق أصواتنا ونحن نغني سعداء..فرحين بصومنا وشربنا وإفطارنا مع أسرنا التي كانت تجتمع حول الموائد العامرة بخيرات أرضنا الفلسطينية المعطاء.
( 17)
لصلاة التراويح حلاوة في الروح وسعادة وخشوع وانشراح، لا سيما وأنها تأتي بعد تناول الإفطار الرمضاني، وشرب الماء واحتساء القهوة وراحة البدن.
إن الاجتماع مع الناس والتلاقي بهم والحديث معهم بهجة في النفس وتمتين للعلاقات، وتجديد للصداقات، وتبادل للتحيات والسلامات مع زملاء وأصدقاء، لم تلتق ِ بهم من زمن طال أو قصر. عدا عما للتراويح من عبادة وتقوى وطاعة لله سبحانه وتعالى.
وفي لحظات تأمل يحن الإنسان إلى أعزاء رحلوا عن هذه الدنيا، وبقيت ذكرياتهم. هنا كان يصلي فلان، وهنا كان يختار آخر مجلسه، وأثناء استراحة التراويح كان المصلون يرددون بعض الأناشيد التراثية الدينية الشجية مثل: (لا اله إلا الله وحده ُ...لا شريك له ُ....الخ)،أو (صلى الله ربنا على النور العظيم،أحمد المصطفى سيد العالمين، وعلى آله ِ وصحبه ِ أجمعين....الخ). كنا أطفالا ً صغارا، وكانت تبهجنا هذه الأناشيد العذبة بين فترات استراحات صلاة التراويح.
وتمر الأيام، وتمضي السنون، وتبقى لصلاة التراويح في بلادنا فلسطين نكهتها المتميزة، وحلاوتها وذكرياتها الدافئة في نفوسنا.
(18)
في الأيام العشرة ِ الأخيرة من رمضان ينشط المؤمنون في الصلاة والقيام والدعاء والتسبيح، وفي الوقت ذاته، تزداد حركة البيع والشراء في أسواقنا الفلسطينية، فتتحول شوارع مددنا إلى أنهار ٍ متدفقة من الرجال والنساء والأطفال. وهذا مشهد في غاية الروعة، ودليل على أننا صامدون ومحبون لوطننا، ومتواصلون مع أبناء شعبنا في كافة أماكن تواجدهم، كما أن هذه الكثافة البشرية مصدر فرح وسعادة للبائعين والتجار وأصحاب المهن، حيث يزداد البيع ُ وتتحقق الأرباح. ونأمل أن تمر هذه الأيام بخير وسلام دون مشاكل وعقبات، وحوادث وشجارات، فوطننا الحبيب فلسطين جميل ٌ بأهله المتحابين المتآلفين المتضامنين المتحدين الذين يواجهون الاحتلال بصمودهم وتفهمهم لظروف بعضهم، ووحدتهم الوطنية الحقيقية التي تتجسد على الأرض.
ونأمل أن تتعزز الثقة بين المواطن والتاجر، بعيدا ًعن الغش والخداع والمطل والتسويف والاستغلال.قال رسولنا الكريم محمد عليه السلام: (إن الله يحبُّ سمْحَ البيع، سَمْحَ الشراء، سَمْح القضاء). ودامت فلسطين عامرة ً بخيراتها وأهلها الكرام المتحابين.