ننثر البذار
تغريدة الصباح - حنان باكير
تغادر بيروت ويبقى قلبك معلقا على أهدابها. تماما كما تغادر عكا ويبقى قلبك مصلوبا على سورها. حب يمنحك شموخا مجروحا. لعلها الفرادة الفلسطينية، حين لا تستطيع الجهر بعشقك. ففي زمن بعيد كتبت ذات مرة، "أنني أحب لبنان بصمت عاشقة في مجتمع مرتاب، حتى لا يفهم أننا نريده وطنا بديلا".. واليوم لا تستطيع توجيه نقد ما فيقال لك، وما علاقتك أنت أيها الفلسطيني، عليك بقضيتك فقط. وبعضهم يذهب بعيدا في المزايدة عليك، بالانتماء والوفاء للقضية. وللأمانة فإن الوجه الحقيقي والمشرق لبيروت/ لبنان.. مضيء حدّ الإبهار.
لفتني وأبهجني، في زيارتي الأخيرة لبيروت، حجم ونوعية الأنشطة الثقافية، والتي فلسطين محورها وأيقونتها. وفي هذا المجال، لا يسعنا الا ذكر بعض هؤلاء الذين حملوا، هموم الوطن وقضاياه، الأستاذ سليمان بختي، والكاتب والصحفي سركيس أبو زيد، وفصليته الفكرية والأدبية "تحولات"، ومنتداه الثقافي والأدبي، "ألف".
في مركز ألف، شهدنا لقاء خاصا، مع الشاعر أدونيس، وتجربته الشعرية، وتاريخه في الحزب السوري القومي الإجتماعي. والمفكر والبروفيسور داوود خير الله. وفي كل اللقاءات، كانت فلسطين حاضرة بكامل بهائها وحيويتها، فتعيدك الى أجواء الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث كان التيار الوطني في أقصى تمدده وتوسعه. فتنعش الروح نفحات من ماض جميل، ما زال يحمل عبق فلسطين في كامل وجدانه.
أجيال ما بعد النكبة من اللبنانيين، ما زالت تحمل ذاكرة آبائهم الذين عاشوا في فلسطين، يوم كانت موئل اللبنانيين ووجهتهم للعمل، كما كان حال الخليج في السبعينيات. أحد كبار السن، أخبرني عن علاقة اللبنانيين خاصة أهل الجنوب، بفلسطين. قال إن وجهة الانسان الجنوبي كانت صوب فلسطين، وليس بيروت، التي كانت الرحلة اليها في ذلك الزمن، كما الرحلة الى المريخ!
أحد الرجال قال لي: يا عمي إحنا كنا اذا العريس بدو يتفشخر ويشوف حالو، كان يدفع مهر عروسته بالليرة الفلسطينية، اللي كانت تساوي 14 ليرة لبنانية! أحد سائقي التاكسي، قال إنه ينتمي الى الفرع اللبناني من العائلة. فأبناء العمومة بعضهم فلسطيني والآخر لبناني، وحكى قصتهم الطريفة. كان أحد أجداده جالسا في بيته الأرضي في مدينة بيروت، حين شاهد عسكر الجندرما العثماني، متوجها صوب البيت، فهرب من المدخل الخلفي للبيت، معتقدا بحثهم عن الشباب لتجنيدهم في الجيش العثماني، وكان الأمر شائعا في ذلك الوقت. ساقت الأقدار الشاب الهارب الى فلسطين. وتصادف مع حملة الإحصاء للسكان، فأحصي معهم وحصل على الهوية الفلسطينية.
فهم لاحقا من أخويه، أن الجنود كانوا في مهمة إحصائية، وليس تجنيد الشباب! لكن الرجل اعتاد رغد البلاد وبحبوحتها المادية، وبقي في فلسطين. وفي العام 1948، عاد الى وطنه لبنان، لاجئا فلسطينيا، وذاق مرارة النكبة، وشارك أصحابها المر، كما شاركهم هناء الأيام الخوالي. ولم يكن السائق الا من أحفاد الرجل الذي صار فلسطينيا مصادفة بسبب سوء الظن.
وفي إحدى الليالي البيروتية. تلقيت رسالة مختصرة على جوالي. رسالة قلبت مزاجي وعكّرته. قريبة لي كتبت: كم تشدني تغريداتك! أقرأ التغريدة، ولا أريد لها أن تنتهي.. لكني استشعرت أنك صرت رهينة مقدسة للذاكرة! فأين أنت الآن، وكيف هي حياتك الحاضرة؟!
ما عكّر مزاجي هو، هل من فائدة لكل ما نقول ونكتب عن الذاكرة؟ بتّ ليلتي أقلب الأفكار على وجهيها.. وغفوت على تعب. مساء اليوم التالي، وفي مركز "ألف"، بعد إحدى المحاضرات وقف شاب صغير، طويل القامة، ينظر لي، ربما بارتياب. ما لبث أن تقدم نحوي. وقدم نفسه. محمد صوان.. لم أذكر الإسم الا أن الوجه لم يبد غريبا. سألني ان كنت أذكره. قال إنه التقاني في حفلة توقيع الطبعة الثالثة من روايتي. تذكرت على الفور مجموعة شباب، تحدثت اليهم والتقيتهم في المقهى. فقد كان ذلك الشاب أحدهم.
حدثني محمد قائلا: بفضلك أصدرت أول ديوان شعر لي! متابعتي لكتابتك عن الذاكرة، وحديثك معنا في تلك الليلة، وتشجيعك لي بشكل خاص، كانا الحافز لي للكتابة وعدت الى البيت ممتلئا حماسا للكتابة وأهميتها بالنسبة لنا، تلك كانت جلسة غيّرت بي الكثير، وليس على صعيد الكتابة فقط.
امتلأت فرحا.. فليس من شيء يذهب هباء.. وعلينا نثر البذار أينما مررنا.. وستنمو وتورق يوما ما وفي مكان ما.. مبروك لك يا محمد صوان "وطن بملامح عشق".. ولبيروت تحية وسلاما.