الذاكرة الوفية– عيسى عبد الحفيظ
" العميد أبو أحمد القطامي"
عام 1944 وفي قرية رنتيا قضاء يافا انطلقت صرخة الطفل حسين أحمد القطامي حيث لم يكد ينهي عامه الرابع حتى كانت والدته تضمه إلى صدرها في رحلة شاقة وطويلة هي طريق الهجرة من الوطن.
كانت دير السودان هي نقطة مكوثهم الاولى حيث لم يلبثوا أن توجهوا إلى أريحا وإلى المخيمات التي بدأت الأمم المتحدة بواسطة وكالة الغوث الدولية بإنشائها لاستيعاب مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين بعد هجرتهم القسرية من وطنهم إلى المنافي.
ترى ماذا كان الفقيد أبو احمد يذكر من رحلته تلك؟ كان يمسك بتلابيب والدته وهي تجره مع كومة أخرى من الأولاد. كانت دموعه تغطي خديه وتعمل غشاوة لا تساعده على تحسس طريقه جيداً فيتعثر بالمشي ويقع أحياناً ثم لا يلبث أن تساعده والدته على النهوض والاستمرار في القافلة المتجهة إلى المجهول!
هل كان أمام (أبو أحمد) خيارات أخرى غير التي اختارها؟ لا أظن ولا أعتقد أن أحداً يظن أن (أبو أحمد) لن يلتحق بأول بادرة يشتم منها رائحة الوطن أو الأمل الذي قد يعيده إليه.
أبو أحمد من أوائل الذين التحقوا بحركة فتح عام 1965، ثم تفرغ فيها عام 1968 بعد هزيمة حزيران. كانت الصدف السيئة بانتظاره حيث انفجر به لغم أثناء التدريب مزق أحشاءه، لكنه تعافى بأعجوبة واستمر في طريق النضال.
التحق بدورة عسكرية لضباط اللاسلكي في كلية شرشال لمختلف الأسلحة بالجزائر وكانت هي الدورة رقم 2 التي منحتها الجزائر للثورة الفلسطينية. تم تعيينه في السودان حيث عمل هناك لبضعة سنوات ثم عاد ليلتحق بقوات القسطل كقائد لوحدة اللاسلكي عام 1975.
انتقل إلى جنوب لبنان عام 1976 حين اندلعت الحرب الأهلية وأبلى بلاء حسناً، ثم لم يلبث أن أنشاً جهاز التنصت على مكالمات العدو اللاسلكية وكان لهذا الجهاز الفضل الأكبر في إفشال عملية إنزال للعدو في منطقة (الخيام) مما كبد العدو خسائر فادحة بعد انكشاف الخطة الهجومية الاسرائيلية من قبل جهاز التنصت.
خرج عام 1982 إلى اليمن ثم عاد أخيرا إلى أرض الوطن ليتسلم مهامه كمسؤول لجهاز اللاسلكي العام في المحافظات الشمالية.
أبو أحمد، ذلك الرجل الهادئ البسيط، قليل الكلام، الذي حظي بمحبة واحترام كل من عرفه، غاب عنا قبل أسبوع ليُسجى أخيراً في مقبرة رام الله حاملاً معه ذكريات الوطن وكثيراً من ذكريات الشتات والثورة والنضال، وتاركاً خلفه إرثاً كبيراً من العطاء ونظافة اليد واللسان، ومحبة زائدة عند كل من عرفه.
إنه تاريخ يضاف إلى سجل الثورة الخالد لتكتمل الصورة عند أجيالنا اللاحقة فكما التصق اسم اللاسلكي بالمناضل زهير اللحام الذي نتمنى له الصحة والعافية والعمر المديد، ها هو طود آخر يغيب لكن ذكراه لن تمحى من ذاكرة الأجيال ولا من ذاكرة الوطن.