عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 حزيران 2017

خمسون عاماً على الاحتلال

نحن –الاثنين- جئنا إلى العالم من عالم الماضي حيث ولدنا قبل عام 1967. الأول لاجئ في مخيمات اللجوء بعيدٌ عن وطنه، والثاني ابن لاجئين في دولتهم الجديدة.

الأول ولد خلال النكبة والتراجيديا العائلية والوطنية، التي مازالت تداعياتها مستمرة، والثاني ولد في بهجة الانتصار والاستقلال.

لقد مرت منذ تلك الحقبة سنوات كثيرة شاهدنا خلالها حروباً وسفك دماء، اتفاقيات تم توقيعها وانتهاكها، عشنا لحظات الأمان وانكوينا بنار خيبة الأمل، ولكننا مازلنا متفائلين أن يكون الغد أفضل، يأتي بالسلام الذي يستحقه شعبانا بعد سنوات طويلة من المعاناة والمآسي.

ما هو هذا السلام؟

بكل تأكيد انه يحقق لنا أحلاما كبيرة وآمالاً بلا حدود عن شيء مثالي يفضي لانسجام مطلق بين كل أبناء البشر. من الواضح أننا سنحقق ذلك في يوم من الأيام، لأنه لا يوجد عداء يستمر إلى الأبد وهذا ما دللت عليه تجربة أوروبا المعاصرة. ولكن حتى تحقيق السلام المثالي النهائي الذي يراود مخيلتنا، علينا العمل من اجل تحقيق السلام الأولي، السلام الذي نبحث عنه وليس السلام المبني على المصالح الضيقة وسياسة الاملاءات والفرض بالقوة إنما السلام الذي نعمل من اجله، المستند إلى المبادئ والقيم، سلام يعتمد العدالة والإدراك أن البشر متساوون، وان كلا منا يعيش معا في الحيز المشترك بين البحر والنهر له كامل الحقوق المتساوية، وكما للفرد الحق في الحرية والمساواة، كذلك حق الشعوب لتحقيق المصير شريطة أن يكون حق تقرير المصير لشعب لا يسلب شعبا آخر حقه الطبيعي في تقرير مصيره الذي يعني الحرية والاستقلال في دولة مستقلة ذات سيادة.

ليس من حقنا أن نتجاهل القضايا الصعبة المطروحة على جدول أعمالنا من الاعتراف، السيادة، الحدود، اللاجئين، القدس، الاستيطان والأسرى. ولكن لا جدوى أن نتطرق لها من نفس منطلقات الماضي التي لم تفضِ إلى نتيجة ولم توصلنا للسلام المنشود. نحن نريد أن ننطلق لتحقيق السلام ولكن من نقطة انطلاق مختلفة.

أولاً: من خلال تفهم وإدراك حساسية مطالب الطرف الأخر، نقطة الانطلاق لأية عملية سلام مستقبلية يجب أن تستند إلى الاعتراف بمآسي الماضي للطرف الأخر كجزء من هويته وواقعه.

نعم أنا أحمد، أدرك حجم الكارثة "الهولوكوست" التي مر بها الشعب اليهودي تلك الجريمة المروعة ضد الإنسانية التي تم تنفيذها بأيدي بشر ضد مجموعة بشرية أخرى، هذه الجريمة التي أدنّاها بأدبياتنا.

وأنا أبراهام اعترف بالمأساة الكبيرة للشعب الفلسطيني التي جاءت بالتزامن مع استقلال دولة إسرائيل، واشعر بالأسف والمسؤولية لدوري في خراب المئات من التجمعات السكنية، تهجير، لجوء لم ينتهِ ألمها حتى يومنا هذا.

من خلال الإدراك والاعتراف المتبادل، نريد العمل لتحقيق مستقبل أفضل لأبنائنا وأحفادنا، نحن نتذكر الماضي ونحترم ذاكرة الأخر، ولا نجري منافسة بيننا حول من عانى أكثر. نحن على قناعة تامة انه بإمكاننا تصحيح أخطاء الماضي والظلم الذي وقع في الماضي، وليس من خلال خلق ظلم جديد يساهم في خلق أجيال وسنوات قادمة من الكراهية والعنف.

الاعتراف المتبادل بيننا ليس اعترافا سلبيا فقط من خلال المآسي والنكبات وإنما اعتراف بالمفهوم الايجابي بأننا لا نستطيع تغيير السيرورة التاريخية ولكننا نتقبلها كما هي، وعلى هذا الأساس فإنني اعترف أنا أبراهام بورغ بحق الشعب الفلسطيني وانتمائه لهذه الأرض الجميلة والأماكن الجميلة هنا، واجبي الأخلاقي أن ادفع تجاه رفع الظلم وتصحيح  أخطاء الماضي.

وأنا أحمد اعترف بحق الشعب الإسرائيلي أن يعيد حياته في هذه المنطقة ايضاً، لأننا ولدنا واصطدمنا بهذا الواقع ونسعى لتصحيحه. كما أننا نسعى لتغيير معادلة التعامل فيما بيننا، لا فصل، أسوار، أسلاك، شائكة، أو كراهية، وإنما جيرة طيبة في الحيز المشترك، الحيز المنفتح، والبُنى التحتية الطبيعية التي نحبها، وحتى أن أجزاء من منهاج تعليم أبنائنا قد تكون مشتركة ومتناغمة، لان مستقبل إسرائيل في أن تصبح جزءا أصيلا من المنطقة لتتحسس آلام وأمال شعوبها.

الحكم، الثقافة، العلاقات الاجتماعية الداخلية والتراث تكون لكل شعب خصوصيته فيها وتمايزه، وبالأمثلة الدارجة نريد إقامة بيتين للعائلتين عبارة عن دولتين مستقلتين متجاورتين تعيشان جنبا إلى جنب في امن وسلام وتعاون.

في صلب الأمور ندرك أن هنالك الكثير من المصالح المشتركة وبعضها متناقضة، تتكامل وتتضارب. لا نتجاهل ذلك، لكن نسعى لتجاوزها. لسنا بصدد منافسة يكون فيها طرف رابحا وأخر خاسرا ومهزوما وإنما حلول تضمن أن يكون الجميع رابحا. واضح انه ليس دائما وفي كل شيء وإنما في اغلب الأوقات وفي مجمل القضايا مع أهمية القضايا السياسية، الوطنية، الاقتصادية والشخصية، هنالك بعد أخلاقي من المحبة والقيم الإنسانية العميقة.

إن نقاش المصالح يحسم بشكل تعسفي ووفقا لموازين القوى، ولكن في حوار الأخوة والمحبة الذي يعتمد القيم الأخلاقية والإنسانية، فإن الحسم يكون على أساس الاحترام المتبادل، وبما أن الجميع متساوون في الإصغاء والإقناع بوسائل مجدية وعملية فإننا ندرك أن العلاقات بين شعبينا يجب أن تتغير من عنف، إقصاء، تجاهل وأفكار مسبقة ونمطية عن الأخر إلى اعتراف متكافئ وعلى أساس قيم الحرية والديمقراطية للجميع.

لقد أدركنا منذ وقت سابق أن قيم الثورة الفرنسية "الحرية والمساواة" لم تكُ لتتحقق لولا العامل الداعم والموحد وهو الأخوة.

أشخاص مختلفون يتوحدون ويناضلون من اجل الأفضل ومن اجل القيم المشتركة، هذه هي دائرة الأخوة المشتركة التي نقترحها.

نحن بشكل بديهي لا ننكر أخوة كل شخص لأبناء شعبه ومجتمعه، هذه هي الأخوة بين أبناء نفس الشعب المستندة إلى التراث التاريخي والثقافي التي يجب الحفاظ عليها وتعزيزها، ولكننا نريد إضافة بعد جديد إليها، ليس أخوة من اجل الضعيف أو المسكين أو الضحية وإنما أخوة بين من يتقاسمون الأرض والسماء، يحلمون أحلاماً متشابهة وبلغات متقاربة كقول محمود درويش في قصيدته "عندما تخوض حروبك فكر بالأخر (هؤلاء الذين يسعون للسلام) وعندما تعود إلى بيتك فكر بغيرك"، وكما قال الشاعر اليهودي تشيرنوخوفسكي "ما زلنا نؤمن بالإنسان، بروحه القوية".

لا شك لدينا انه من آلام هذا الصراع سيلد الأمل الكبير للشعبين، سيأتي جيل منا ومنهم يحطم قيود الكراهية، يحطم الحراب ويحمل السلام والبركة لهذا الشعب وذاك.

بعد خمسين سنة سيكتب اثنان إسرائيلي وفلسطيني، وقد يكونا حفيدينا ملخص الخمسين سنة القادمة، إذا لم يستطع جيلنا تحقيق السلام وتخليصهم من مآسي الاحتلال والعنف لن يكون تقييمهم مختلفا عن تقييمنا بل سيحمل الألم والإحباط ويثير اليأس. وإذا نجحنا نحن في مهامنا سيكون تقييمهم للسنوات القادمة حافلا بالسعادة والنماء والازدهار، وهذا يعتمد على قدرة الشعوب الجريحة أن تتعالى على جراحها وتتجاوز مخاوفها ورواسب الماضي وتحويل صراع دامٍ ومرير إلى حل يبعث الأمل والإلهام لشعوب أخرى.

د.أبراهام بورغ / الرئيس الأسبق للبرلمان الإسرائيلي

  د. احمد مجدلاني / عضو اللجنة التنفيذية عضو الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة لمنظمة التحرير الفلسطينية