عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 كانون الثاني 2017

بين عصر التقاليد وعصر التقنية.. حكايات وحكايات

د. ايهاب عمرو

مع بداية ظهور التطورات التكنولوجية بعد بزوغ ظاهرة العولمة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، مع ما صاحب ذلك من ظهور التقنيات الحديثة وأجهزة الكمبيوتر وشيوع استخدام الإنترنت، كنت طالبا على مقاعد الدراسة في المرحلة الإعدادية حينما طلب مني أستاذ اللغة العربية كتابة موضوع "إنشاء" حول التقاليد والتقنية، بكلمات أخرى حول الطرق التقليدية والتقنيات الحديثة. وقد أفادني أنه يحب اللغة التي أعبر من خلالها، وأنه كذلك معجب بالخط الذي أكتب به. وقمت فعلا بكتابة موضوع أعجب به أستاذ اللغة العربية أيما إعجاب وحصلت من خلاله على علامة مرتفعة جدا.

ولعله من المفيد هنا استذكار ذات الموضوع وإجراء المقارنات، خصوصا أنني عايشت كلتا المرحلتين وتفاعلت معهما بشكل كبير.

بادئ ذي بدء، أود القول ان والدتي وضعتني في المنزل على يد القابلة ولم تضعني في مستشفى. وما زلت أذكر، من جملة ما أتذكر، أن  تلك القابلة رحمها الله "أم الأمين" والتي كانت تنحدر من مدينة يافا، كانت تقول لي دائما عندما تراني "عم تكبر يا إبني يا إيهاب". إن تلك الولادة البيتية وتلك العاطفة النبيلة جعلتني أنتمي إلى مرحلة أسميها مرحلة "التقاليد" بشكل كبير. ولم أسمع في حياتي عن خطأ ارتكبته قابلة أدى إلى وفاة الأم أو الجنين، لكني سمعت كثيرا عن أخطاء طبية حدثت في العصر الحالي "عصر التقنية" رغم التطور التقني التكنولوجي في المستشفيات وأدت إلى وفاة الأم أو الجنين أو كليهما معا.

كذلك، فإن التواصل الاجتماعي الذي كان سائدا آنذاك اعتمد بشكل كامل على الزيارات بسبب عدم توفر أجهزة الاتصالات أو الإنترنت وهو ما ساهم في تعزيز منظومة العلاقات الاجتماعية بين الأقارب من جهة، وبين الجيران من جهة أخرى. وما زلت أذكر كيف كانت علاقاتنا مع جيراننا وأننا كنا نشعر أن الرابطة التي تربطنا من حيث دفء المشاعر وصدق المعاملة ونقاء السريرة أقرب ما تكون إلى صلة القرابة منها إلى علاقات الجوار، وما يدلل على ذلك احتفاظنا بتلك العلاقات حتى بعد مرور عقود طويلة، وكذلك تطور بعض تلك العلاقات إلى علاقات مصاهرة. في حين أن التواصل في عصرنا الحالي يعتمد بشكل كبير على الأجهزة الخليوية وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال المرئي مع ما لذلك من تأثير سلبي على منظومة العلاقات الاجتماعية.

ومع أهمية التكنولوجيا في تسهيل التواصل وتقريب المسافات إلا أن المبالغة في استخدامها كان له أثر سلبي على المجتمعات، خصوصا الشرقية منها، بحيث أدى ذلك إلى انفصام عرى تلك الروابط بشكل كبير بسبب سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا من قبل الجيل الشاب، بسبب عدم معرفة المتحدثين لبعضهم البعض في كثير من الحالات، عكس ما كان في عصر التقاليد حيث كان الجميع يعرف بعضه البعض بشكل علني ما أدى إلى الحفاظ على النسيج الاجتماعي.

أيضا، كان يعتمد الإنسان في عصر التقاليد على الطبيعة بشكل كبير، إذ لم يكن للتقنيات الحديثة دور يذكر، حيث كان يأكل مما تنتجه الطبيعة، ويشرب مما تفرزه الطبيعة، ويلبس كذلك مما تجود الطبيعة، وينام في حالات كثيرة بين أحضان الطبيعة. في حين أن العصر الذي نعيش فيه حاليا يعتمد على التقنيات والصناعة بشكل كبير، إذ ان معظم الأطعمة والمشروبات أصبحت مصنعة كيميائيا لا تخلو من المواد الكيميائية الحافظة على اختلاف أنواعها، إضافة إلى أن الاعتماد في صنع الملابس أصبح بشكل كبير على الآلة بفعل التطور التكنولوجي مع تهميش دور الأيدي العاملة حتى في حالات صناعة الغزل والنسيج.

إضافة إلى ما سبق، فإن الحياة كانت أكثر بساطة وأقل توترا مما نحن عليه الآن. وأفادت دراسة إحصائية حديثة العهد أن اثنين من بين كل أربعة أشخاص في العالم يعانون من التوتر بسبب طبيعة العصر الذي نعيش فيه. حتى أن الإنسان عندما يقوم بعمل ما للترويح عن نفسه كحضور عرض موسيقي أو مسرحي فإنه يكون في كثير من الأحيان متوترا ويفكر في أمور ذات علاقة بعمله أو مصدر دخله أو شؤون حياته الخاصة. وقد يكون ذلك عائدا إلى زيادة الالتزامات وأعباء الحياة وكلفتها المرتفعة على عموم الناس نظرا لتغير طبيعة العصر وتغير طبيعة الحاجات الأساسية والثانوية. ولعل أهم ما ميز عصر التقاليد أن الحاجات الثانوية لم يكن لها أي اعتبار وأن التركيز انصب على الحاجات الأساسية فقط، في حين أن التركيز في العصر الحالي أصبح على الحاجات الثانوية غير الضرورية وعلى المظاهر التي تؤدي إلى زيادة الإعباء على غالبية أفراد المجتمع، مع إغفال حقيقة أن القناعة تشكل علاجا لتلك الأمراض الاجتماعية.

خلاصة القول: إن العصر الذي نعيش فيه يشهد تطورات تكنولوجية متسارعة شملت كافة مناحي الحياة، منها وسائل التواصل الاجتماعي والنزعة نحو استخدام الأشياء اعتمادا على التكنولوجيا، ما يشمل استخدام الشبكة العنكبوتية "الإنترنت"، وهو ما يعرف "Internet of Things".

ومع أهمية التطور التقني التكنولوجي في شتى المجالات والحقول في العصر الحالي وفي تسهيل حياة الناس إلا أنه لا بد من الإشارة هنا إلى ضرورة ترشيد استخدام تلك التقنية لما لذلك من آثار سلبية على المستخدمين ما يشمل مخاطر صحية، بيئية، اجتماعية، اقتصادية، قانونية، وكذلك نفسية. إن الحل يكمن، من بين أشياء أخرى، في الموازنة بين الطرق التقليدية والطرق التكنولوجية ما يساهم في الحفاظ على الموروث التاريخي والفكري والحضاري الإنساني من جهة، ويساهم كذلك في تطور المجتمع اعتمادا على التكولوجيا والعقل الإنساني والرابط الاجتماعي والإبداع الثقافي من جهة أخرى، خصوصا أن التقنية التي يعرفها البعض أنها السعي وراء الحياة بطريقة مغايرة للحياة، يتعين من أجل الاستفادة منها مراعاة استخدامها بشكل علمي وصحي سليم.