تغريدة الصباح- حنان باكير
مواسم الدم والهدم
الدم يزهر في وطني. مواسم الدم والهدم لها كل الفصول في وطني. رائحة الدم تلهب، شهية القاتل للقتل والدم. الانسان في وطني مشروع قتيل مستقبلي. تتعدد الأسباب والموت واحد. تقتل بالرصاص، دهسا، حرقا، أو في معتقلك، أو تحت أنقاض بيتك.. في وطني أنت لست أمام خيار الحياة أو الموت، لكنه خيار الموت أو الموت.. اختر شكل موتك، وجنرال الموت حاضر ومتعطش لدمك.
أم الحيران، التي لها من اسمها نصيب، تركتنا مذهولين حيارى في مواجهة الكارثة. الآلة الصماء الغبية، "تخبط خبط عشواء"، ولا تميز بين بشر وحجر وشجر وحيوان! أم تصرخ بحرقة ولوعة، بعد اغتيال وحيدها على مرأى منها: "ما عمل إشي ليه قتلوه.. ليه قتلوه"، فنصاب بمرارة في الحلق وبوجع في الروح، وبقسوة الشعور بالعجز. هي لا تدري ولا يدور في خلدها، أن جريمته أنه بقي حيا فوق تراب أرضه الطيبة، ومن يريد البقاء.. فليكن تحت الآرض، أو يحمل عصاه ويرحل.
في وطني يسكن الناس فوق أنقاض بيوتهم يكتمون الغضب والوجع. وصباحا تودع الأم طفلها وداعا، كأنه الأخير، فلا تدري إن كان سيعود لها ماشيا على قدميه. وفي وطني يولد الأطفال وفي أيديهم مسامير صلبهم، ويذهبون الى مدارسهم تحت أسنة الرماح، ودعسات البساطير العسكرية، هم يعابثون الموت ويداعبونه، فلا لعبة لديهم الا إياه.. فقد أعلن الآخر لنا شعاره صراحة: "لدوا لموت وابنوا لخراب"...
كل صباح، حين أتصفح صحيفة "الحياة الجديدة"، وقبل قراءة الأخبار والمقالات، أمر على صفحة المحليات. أقرأ تفاصيل أحداث الشارع. بكل سلبياتها وايجابياته. أتقمص تلك الحياة، وأسير في أزقة نابلس، وبيوت رام الله، وجنين.. تأسرني قراءة أسماء القرى التي لم نسمع بها من قبل.. لكني أقلعت منذ مدة عن تلك القراءة، إذ لم يعد غير القتل.. على الحواجز وفي الدهس والتهشيم.. آلة الموت المتربصة بالأبرياء غدت كثور المصارعة الاسبانية، الذي أثخن بالسهام حتى اهتاج لرائحة الدم. ارتفع منسوب الدم الى الحد الذي فاق قدرتي على التحمل! فأين في الكون وطن يشبهك يا وطني!
يحكى أن حطابا كان يعيش قرب غابة كثيفة. يخرج كل صباح لقطع الأشجار وبيعها حطبا، وكان يحيا عيشة كفاف ومشقة. ذات مرة وحين هم بقطع شجرة ضخمة، برزت له أفعى كبيرة. قالت له: سأعطيك كل يوم ليرة ذهبية، مقابل الابتعاد عن بيتي داخل هذه الشجرة. فرح الحطاب بهذا العرض. وصار يحضر كل يوم لأخذ الليرة الذهبية، فتحسنت أوضاعه، وعاش في رغد وهناء.
ذات يوم فكر الحطاب، بعد أن ضربه الطمع. لماذا لا أقتل الحية وأحصل على الليرات الذهبية دفعة واحدة! توجه مع ابنه الى الغابة. وحين ظهرت الأفعى، حاملة الليرة الذهبية، عاجلها الحطاب بضربة فأس، لم يتمكن منها، لكنه قطع ذنبها، فالتفت على ابنه ولدغته، ثم اختفت داخل جحرها.
مات الولد وحزن الحطاب وبكى لأشهر طويلة، صرف خلالها كل ما يملك. فتوجه الى الغابة، وعرض على الأفعى العودة الى سابق اتفاقهما. رفضت الأفعى العرض وقالت له: لا أنت سوف تنسى دم ابنك، ولا أنا سأنسى ذيلي المقطوع!
هل ترك الآخر المتغول، مكانا أو فرصة، لإمكانية تعايش سلمي، أم أن الخيار الشمشوني، هو ما يريدونه، متكئين على قدرات يخالونها لا تقهر؟!