إسرائيل... ثلاثة آلاف عام من تاريخ الكذب

بقلم: خالد جمعة
تحتقر وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤتمر باريس وتقلل من قيمته السياسية، رغم أن 72 وزير خارجية من العالم كانوا حاضرين هناك، ويقول الإعلام إن الحل غير ممكن نتيجة عدم وجود شريك فلسطيني ليتمم المفاوضات التي ستوصل إلى حل، وهذا الكذب الإسرائيلي ليس وليد اللحظة أو وليد الموقف، فلإسرائيل تاريخ قائم على الكذب، مؤسس على المثيولوجيا التي لم تثبت صحة أي من رواياتها التي دفعت هي وحلفاؤها مليارات لا تحصى من أجل العثور على حجر واحد يقول إنهم بنوا حضارة في أرض فلسطين، ولم يتم ذلك، حتى مع محاولاتهم تزوير الأركيولوجيا.
سأستعمل في مقالي هذا مجموعة من النماذج لا تخرج عن روايتهم التوراتية والتلمودية حتى لا يقول قائل إنني فلسطيني وأتجنى على الاحتلال الإسرائيلي، الذي رغم كل آلته الإعلامية "المولينيكسية"، لم يستطع أن ينزع فلسطين من قلوب ورؤوس أهلها، ولا ينزع أهلها من فلسطينهم.
منذ بداية ظهور الديانة اليهودية ـوالكلام هنا عن أتباعها لا عن الديانة ذاتهاـ لم يكن لليهود أي صلة بالله الذي حمي غضبه عليهم في أكثر من موضع في التوراة، فقد كثرت طلباتهم حتى أنهم طالبوا برؤية الله جهرا، ولكن قبل أن نصل إلى هذه المرحلة، فلنر ماذا فعل بنو إسرائيل بشعب مصر، الشعب العظيم طيب القلب الذي احتواهم بين ظهرانيه، فبعد القصة الشهيرة التي دارت بين موسى وفرعون، والتي قرر موسى أن يترك مصر هاربا ببني إسرائيل من وجه فرعون وبطشه، أخبرهم موسى قبل الرحيل بنيته تلك، فقاموا بالاستدانة من المصريين، استدانوا كل ما يمكن استدانته وحمله، عقود من الذهب، أموال، أوعية الطبخ، ملابس، باختصار، كل شيء، وفوجئ المصريون في اليوم التالي بأن من كانوا جيرانهم بالأمس قد نهبوا ما استدانوه منهم وهربوا به مع موسى، ولا أظن أن أخلاق نبي الله موسى سمحت بذلك لو كان يعرف ما فعلوه، لكنهم كما سنرى ظلوا يتصرفون دون مرجعية أخلاقية أو دينية طوال تاريخهم، حتى هذه اللحظة.
بعد أن تمت عملية الهروب، وأقفل البحر ضفتيه المفتوحتين على فرعون وجنده، قال بنو إسرائيل لموسى: وما أدرانا بأن فرعون قد مات؟ قد يكون ما زال حياً، فطلب موسى من ربه أن يثبت لبني إسرائيل أن فرعون قد مات حقاً، فرمى الموج جثة فرعون بدرعه وسلاحه على الشاطئ، فاطمأن بنو إسرائيل وبدأوا رحلتهم.
قالوا لموسى بعد فترة من المشي في الصحراء، وكل هذا طبعا حسب الرواية التوراتية: هل أخرجتنا من مصر لتميتنا عطشاً في الصحراء؟ فطلب موسى من ربه أن يسقيهم، فضرب الصخرة التي خرج منها اثنتا عشرة عيناً [انتبهوا للرقم 12 الذي سيتكرر كثيراً في التوراة، بحيث أن كل فرع من الأسباط كان يستقل بما يفعله عن الفروع الأخرى، ففكرة الوحدة لم تكن موجودة حتى في زمن موسى]، وبعد أن شربوا، اعترضوا على الحر الشديد، هل أخرجتنا من مصر لتميتنا من الحر في الصحراء؟ فأرسل الله الغمامة بناء على طلب موسى، ثم طلبوا طعاماً، فأرسل لهم المن والسلوى، فملّوا من المن والسلوى كل يوم، فأرسل لهم المائدة وعليها أنواعاً من الطعام، وتمادوا في طلباتهم وفي كل مرة يغضب الرب من طبيعة الطلبات "وحمي غضب الرب على بني إسرائيل"، إلى أن وصل الأمر أن قال الرب لموسى: دعني أبيدهم وأخلق شعباً غيرهم، فأخذ موسى يتوسل إلى الله، يا رب هل سيقول الناس إنك أخرجتهم من مصر لتبيدهم في الصحراء، فكتم الرب غيظه ـ حسب التوراة ـ وقال: لن يدخل الأرض التي وعدتك إلا اثنان، يوشع بن نون، ومؤمن آل فرعون، وحصل التيه الكبير لمدة أربعين عاماً، ومات كل الجيل الذي خرج من مصر دون أن يدخلوا أرض الميعاد، بمن فيهم موسى وهارون، ودخل يوشع بن نون إلى فلسطين ليهدم أسوار أريحا ويذبح أهلها، ولم يسأل كاتب التاريخ اليهودي نفسه: من كان يسكن أريحا، المدينة العامرة ذات الأسوار قبل أن يدمرها يوشع بن نون؟
بالطبع لن أدخل في تفاصيل ما حدث بعد يوشع في قصص التوراة، فموسى يموت قبل أن تبلغ صفحات التوراة ثلثها، وبقية القصص بعد موسى لا أعرف على من نزلت لكي تجعل التوراة كتاباً مقدساً، فالتاريخ داخل التوراة يمتد ليغطي داود وسليمان وشاؤول وصموئيل وأيوب، لكن هذا موضوع مبحث آخر، لسنا بصدده الآن.
ينزل الأمر الإلهي بتقديس يوم السبت عند اليهود، فيمتثلون لأمر الله، ولكن بطريقة التفافية، فقد انتبهوا أن الله كان يختبرهم ويرسل إلى البحر سمكاً كثيراً في يوم السبت، فأصبحوا يضعون الشباك في البحر يوم الجمعة، ويعودون لأخذه يوم الأحد، على اعتبار أنهم لم يعملوا يوم السبت، فغضب الله كالعادة عليهم وقام بمسخهم، وليس هذا فقط، فمن ينظر إلى اليهود المتدينين إلى هذا اليوم، فإنهم لا يفعلون شيئاً يوم السبت، لكنهم يأتون بشخص غير متدين سواء كان يهودياً أو غير يهودي، ويجعلونه يفعل لهم ما يريدون بالإيماءة، من طهو الطعام إلى إدارة الأجهزة، ويعتبرون أنفسهم بذلك أنهم لم ينتهكوا حرمة السبت، ويستمرون في الحياة.
وحين حاولوا تبرير المذابح التي كانوا يقومون بها كعصابات، كانوا يضعون ذلك على لسان الرب، فقد جاء في سفر صموئيل الأول الإصحاح 15: "هكذا يقول رب الجنود: إني قد افتقدت ما عمل عماليق باسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر، فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ما له ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا بقرا وغنماً جملا وحمارا، وضرب شاول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور التي مقابل مصر، وأمسك أجاج ملك عماليق حيا وحرم جميع الشعب بحد السيف".
أي منطق إلهي في هذا الإصحاح؟ لكن لماذا يُستبعد ذلك عنهم وقد أطلقوا على الله اسم "رب الجنود"، وهذا يقود إلى الصفة الرئيسية التي يتمتع بها رب بني إسرائيل، فخيالهم نسج طبيعة الرب على منواله، فهم قد تعرضوا لظلم فرعون وقهره، فمارسوه حين أتيحت لهم الفرصة، تماماً مثلما يحدث الآن.
ويستمر الكذب، فتدّعي إسرائيل علاقتها الوثيقة بالقدس، تلك المدينة التي تأسست قبل الديانة اليهودية، ونرجع مرة أخرى إلى سفر القضاة في التوراة، الإصحاح التاسع عشر، لنرى مدى قوة علاقة إسرائيل بالقدس: "ثم قام الرجل للذهاب هو وسريته وغلامه، فقال له حموه أبو الفتاة أن النهار قد مال الى الغروب، بيتوا الآن، هوذا آخر النهار، بت هنا وليطب قلبك، وغدا تبكرون في طريقكم و تذهب الى خيمتك، فلم يرد الرجل أن يبيت، بل قام وذهب وجاء إلى مقابل يبوس هي اورشليم ومعه حماران مشدودان وسريته معه، وفيما هم عند يبوس والنهار قد انحدر جداً قال الغلام لسيده: تعال نميل الى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها، فقال له سيده: لا نميل الى مدينة غريبة حيث ليس أحد من بني إسرائيل هنا".
يا لها من علاقة توراتية وتاريخية لليهود بالقدس، حيث ليس أحد من بني إسرائيل هنا، فمن كان يسكن هناك في هذه اللحظة التي قال فيها الرجل ذلك؟
بكل الأحوال، التوراة موجودة باللغة العربية، وتعرف بالعهد القديم، وفيها آلاف الإشارات المتناقضة التي يمكن إدانة تاريخ بني إسرائيل من خلالها، فلا يوجد لدى اليهود ما هو مقدس أكثر من التوراة، ولذا فإنها نفسها تقدم عدة دلائل على أن الكذب شيمة متأصلة في الأخلاقيات التوراتية على مستوى الممارسة اليومية، لقد كذبوا على الله، على أنبيائهم، على أنفسهم، فكيف يفعلون بالآخرين وسط هذه الشيم التي يمتلكونها؟
لننتقل إلى العصر الحديث، انطلاقاً مما جاء في هذا المقال حول العصر القديم، فأثناء قراءتي لمذكرات شارون مثلاً، وحين وصلت إلى ما يقوله عن مذبحة قبية، فإذا بالرجل لم يسمع بالمذبحة إلا في اليوم التالي من خلال الإذاعات، فهو على حسب قوله قد أفرغ البيوت في قبية قبل هدمها، ويبدو، والنص لشارون، أن الناس خافوا فاختبأوا في الأقبية وماتوا حين سقطت المنازل عليهم، أي غبي في العالم يمكنه أن يصدق تفاهات مثل هذه إلا إذا كان قد سلم عقله تماما لمن ينقل هذه الرواية، وبالطبع فإن شارون يستكمل بنفس المنطق حول صبرا وشاتيلا التي أدان القضاء الإسرائيلي نفسه ضلوع شارون فيها، بل وإن الهجوم على بيروت في ذاته قد تم بكذبة قدمها شارون لرئيس وزراء إسرائيل وقتها مناحيم بيغن، فقائد عسكري يكذب على قائده، فماذا سيفعل بخصوص الفلسطينيين، أعدائه التاريخيين كما يقول؟.
إسرائيل لديها منظومة من الكذب، منظومة كاملة ومؤسسة على تقنيات عالية من قدرة الإقناع، من هجومها الشرس على غزة لثلاث مرات في ست سنوات، وما قدمته للعالم من مبررات، أو من محاولات لتبرير قتلها لخمسة آلاف شخص في غزة خلال هذه السنوات الست، إلى القول بأنها تعطي فرصة للبيوت المقصوفة لكي يخرج أصحابها منها، إلى القول بأن حياة الجنود تتعرض للخطر، مورس هذا في الانتفاضة الأولى، وكان الجندي الإسرائيلي يجلس في جيب محصن، مغطى بالشبك من كافة الجهات، ويحاول أن يقنع العالم بأنه أطلق النار على الولد لأن حياته تعرضت للخطر من حجر بحجمٍ أصغر من قبضة اليد.
إسرائيل تكذب وتكذب وتكذب، في الصورة، في الكلمة، في التصريحات، والعالم الحر يشتري هذا الكذب لأنه يريد أن يشتريه، ويقتنع بأن دولة في آسيا مثل فلسطين هي من حق إسرائيل، ولكن في الوقت ذاته كل مشاركات إسرائيل الدولية تمر عبر أوروبا، فهي تلعب في كل البطولات الرياضية مثلاً كدولة أوروبية، وهنا لا يعود المنطق يحمل ضرورته، ويصبح الأمر غير مفهوم إذا عالجناه منطقياً.
بالطبع يمكن أن نتصور كمية الكذب التي أحيطت بكل ما حدث مع بني إسرائيل خلال القرون الثلاثة والثلاثين التي أعقبت نشوء ديانتهم، وما زالت مستمرة إلى اليوم بادعائها قتل الفلسطينيين بسبب محاولاتهم طعن الجنود، وهي مستمرة في الكذب رغم وجود فيديوهات مصورة لجنود يطلقون النار على فلسطينيين وهم مصابين وممددين على الأرض، وفيديوهات أخرى تصور أحد الجنود وهو يلقي سكيناً بجوار جثة شهيد فلسطيني ليبرر قتله، كل هذا تحت أسماع وأنظار العالم، مرفقاً بصراخنا كفلسطينيين من الظلم الذي يحيط بنا، ومن سرقة حقنا في الصراخ من أجل ضحايانا، فإسرائيل تريد أن تكون الضحية فيما هي تمسك بالمدفع وتقتل دون حساب...
لا أعرف إن كان سيأتي يوم على إسرائيل وتدفع ثمن كذبها وجرائمها، لكن ما أعرفها، أنه لو جاء اليوم الذي تتم فيه محاسبة إسرائيل على ما فعلته بالفلسطينيين خلال العقود السبعة الأخيرة على الأقل، فلن نكون بحاجة إلى الإعداد من جديد لقائمة أفعالها، فالجميع يعرف ما فعلته إسرائيل من تطهير عرقي لمئات القرى الفلسطينية فيما أسمته إسرائيل "حرب الاستقلال"، والجميع يملك قائمة بالمذابح التي قامت بها إسرائيل بحضور وشهادة ممثلي الصليب الأحمر والأمم المتحدة في بعض الحالات، فلن تكون هناك كذبة أكبر من أن تسمي جيشك "جيش الدفاع الإسرائيلي" في الوقت الذي يقوم فيه هذا الجيش بالهجوم على كل شيء في كل وقت، لكن تسميته بجيش الدفاع، يعطي الانطباع الدائم بأن هذه الدولة المسكينة التي تسمى إسرائيل، مضطهدة من قبل جيرانها ومعرضة للخطر بشكل يومي ودائم، مستغلة جملة قالها أحد حمير الإعلام العربي أثناء عدوان إسرائيل على الدول العربية عام 1967، أحمد سعيد، حين بث عبر أثير صوت العرب جملته العبقرية التي وضعتنا في خانة الإرهابيين، ووضعت إسرائيل في خانة الضحية: ألقوا بهم في البحر...
في النهاية، فإن لإسرائيل تاريخ من الكذب، الكذب المدروس والممنهج، الفردي والجماعي، السياسي والديني والأخلاقي، وعلى ما يبدو أن إسرائيل نفسها على امتداد التاريخ قد بدأت بتصديق الكذبة حتى أنها أصبحت مقتنعة فعلاً بأن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب وأعطيت لشعب بلا أرض، فقد تحول الوعد الإلهي الأسطوري قبل آلاف السنوات من مثيولوجيا إلى حقيقة على لسان بلفور البريطاني، لتصبح الكذبة الإسرائيلية الكبرى معترفاً بها في القوانين الدولية، أما نحن أصحاب الأرض الذين تدل علينا مفاتيح بيوتنا وأشجار زيتوننا وأبنيتنا التي يفوق زمنها بكثير ليس عمر دولة إسرائيل، بل عمر ديانة بني إسرائيل ذاتها، فليس لنا إلا نظرة العالم الفوقية، فمن يتتبع التاريخ الفلسطيني، فسيجد أن الأركيولوجيا تعيده إلى 12 ألف سنة قبل الميلاد، أي أن بين تاريخنا وظهور الديانة اليهودية على الأقل عشرة آلاف وخمسمئة عام، فعن أي حق يتحدثون، إنها كذبة أخرى ما تزال سارية المفعول حتى الآن.