تغريدة الصباح - آآخخ يا بلدنا
حنان باكير
قصاصات ورقية مصفرة بفعل الزمن، عثرت عليها في دفاتري القديمة في بيروت. حضور الذاكرة، أسعفني في فهم الكتابة بقلم الرصاص، منذ عقدين ونيف. قصاصات كنت أطرزها بكلمات أبي عن مدينته. تذكرت مقولة جدتي "كل شي أحسن من بني آدم"! أبي رحل من زمن بعيد، وبقيت كلماته على وريقاتي، حيّة وتحمل نبض الذاكرة.
وردت قصة، محمد الحنيطي في الأوراق. والحنيطي هو الظابط الذي تسلم قيادة المعارك في مدينة حيفا، في العام 1947، حين اشتداد المعارك، حيث بدا واضحا أن المعركة بدأت تأخذ منحى جديدا، هدفه تهجير اهل حيفا.
لم أدوّن تفاصيل حكاية تهريب الأسلحة من بيروت الى عكا وكل فلسطين.. كيف ولماذا ومن كان يزودهم بتلك الأسلحة، التي كانت تشترى بالمال وليس هبة. كانت النسوة يبعن مصاغهن، الذي احتفظن به لغدر الزمان، ليشتروا السلاح لرجالهن. غادر الضابط محمد الحنيطي الى بيروت، وعاد بالسلاح والعتاد الى عكا.
نصح العكيون الضابط، بنقل السلاح بحرا الى حيفا. لكنه آثر نقله برا. السلطات البريطانية التي كانت تقدم جميع انواع التسهيلات، للعدو والمرابطة في رأس الناقورة، قامت بإبلاغهم بوجود قافلة السلاح. فنصب العدو الكمائن في الطريق بين عكا وحيفا. وجد الضابط نفسه مع العدد القليل من رجاله، مطوقا بالكمائن التي باشرت بإطلاق النار على القافلة.. أدرك أن معركته بلا أمل، وعزّ عليه أن يغنم العدو سلاحهم، فقام بتفجير السيارة المحملة بالسلاح والذخائر.. وكأن جهنم فتحت أبوابها، وسُمعت أصوات التفجيرات في مدن وقرى بعيدة. استشهد الحنيطي مع ثلاثة عشر رجلا من مرافقيه..
كان الثوار في عكا ينتظرون وصول قافلة السلاح الى حيفا. فجاءتهم الأخبار المفجعة. فقاموا بنشر الحواجز بين حيفا وعكا وصفد، ونصبوا الكمائن فيها. ومع مرور قافلة من اليهود بحماية بريطانية، قام الثوار بمهاجمتهم وهزيمتهم.
سقطت مدينة حيفا. وأرادت العصابات التفرغ للانتقام من عكا. استبسل العكيون والحيفاويون الذين لجأوا الى عكا، في الدفاع عنها. لكن الدعم البريطاني اللامحدود للعصابات ساهم في سقوط المدينة!
في ذلك الحين، لم أناقش أبي في روايته الموثقة تاريخيا، فأبي عاش التجربة، وكان واحدا من الذين دافعوا عن مدينته. لكن لو قدر لي أن التقي أبي لسألته: هل استشهد الحنيطي وكل الفلسطينيين، طمعا بالجنة والحور العين والنعيم الموعود؟ هل خطر بباله، هو وبقية رفاقه من الثوار، يوما أن الشهادة هي فقط من أجل الشهادة، والجنة أم من أجل أرضهم الطيبة؟! أود أن أسمع ما يقوله، كيف انحرف مفهوم الجهاد والشهادة في هذا الزمن!
لو ألتقي أبي.. فسوف أسأله: رغم اختلاف وجهات نظر القادة الفلسطينيين آنذاك، بقيت جميع المدن والقرى، تمارس الحب والدفاع عن بعضها، وتستنفر في فزعات لنجدة أي جزء من الوطن يتعرض للإعتداء.. لم يتنازع الشعب ولم يقتل بعضهم بعضا! فلماذا نحن مختلفون عن آبائنا؟ ماذا دهانا يا أبي؟ هل فشلتم في تربيتنا على أخلاقكم؟
يوم كنت في عكا قبل سنوات، زرت مقبرة صغيرة، لآخر الشهداء الذين سقطوا في عكا وعلى سورها.. معظمهم استشهد على السور العظيم، وفي يوم سقوط المدينة. كان دليلنا في المقبرة طفل لم يتجاوز السابعة أو الثامنة من عمره، أخبرنا عن طريقة استشهادهم وأشار الى ما يشبه التابوت من الصفيح، قال أنه المعلف الذي يوضع فيه طعام الخيل، لكنه استعمل بدل التابوت لنقل الشهداء، الذين دفنوا على عجل، يوم سقوط المدينة.. طفل السابعة يروي ذاكرة مدينته!
أخبرتني صديقتي العكاوية سامية، كيف أن أمها ظلت لسنوات طويلة، تتحدث عن جثة الشهيد صالح الطوخي، عندما ألقته العصابات عن سور عكا، الى الصخور، وكيف نزلت الجثة سليمة.. مضيفة: يا يما نزل على مهل لأن الملائكة تلقته وحملته.