عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 كانون الثاني 2017

هنري كيسينجر.. رجل المهام الصعبة يقتحم السياسة الدولية مجدداً

بقلم: مراد شاهين

الدكتور هنري كيسينجر ظاهرة تركت أثراً بارزا في السياسة الدولية. لمع نجمه بعدما عينه الرئيس ريتشارد نيكسون مستشارا للأمن القومي من 1969-1975، ثم وزيرا للخارجية من 1973-1977. كان واقعيا يؤمن بأن توازن القوى هو النظام الأمثل لحفظ السلام العالمي. كان شخصية مثيرة للجدل وعنيد وثقته عالية جدا بنفسه. كلها خصائص أكسبته إعجاب وتقدير البعض وانتقاد وامتعاض البعض الاخر. في مقابلة أجراها معه جِيفْري غولدبيرغ الذي يعمل لدى مجلة أتلانتك الأسبوعية في نوفمبر 2016، قال هينري كيسنجر لــ غولدبيرغ: أكتب انك وجدت "بالرغم من مضي عدة عقود على كيسينجر خارج الحكومة إلا أن ]الإيجومينيا[ “egomenia” عنده لم يتبدد بمرور الوقت". ومع العلم ان كيسينجر بلغ من العمر عِتِيّاً (93 عاما) الا ان صحته الجسدية والعقلية لا تزال على درجة من القوة تسمحان له بالسفر والوقوف على المنبر ومخاطبة الجمهور.

في الآونة الأخيرة ترددت في الصحف العالمية والمحلية انباء عن أن الرئيس المنتخب، دونالد ترمب سوف يوكِلْ الى سيد الدبلوماسية الأميركية قبل أكثر من اربعين سنة، الدكتور هنري كيسينجر، مهمّة ترميم العلاقات الروسية-الأميركية. وليس هنالك اشارة حول تردد كيسينجر في قبول تلك المهمة. بالعكس، هو يتحدث للإعلام وكأنه يرجو مثل هذا الدور وأنه لا يزال لديه الفكرة والحنكة للإلقاء بثقله في عملية إعادة بناء الجسور بين أمريكا وروسيا، وبين أمريكا والصين وربما، ايضا، بين أميركا وبعض حلفائها في الناتو. أي أن عملاق الدبلوماسية السابق سينزل الى الحلبة السياسية لينزع فتيل التوتر في العلاقات الدولية المضطربة. قد تبدو خطوة سياسية ذكية من السيد ترمب ومسعى لغاية نبيلة–السلام في العالم.

في الوقت نفسه تثير هذ الخطوة تساؤلات كثيرة، وتزيد من حجم الشعور بعمق الأزمة التي تواجهها العلاقات الدولية الراهنة. التساؤل الأبرز يتمحور حول جدية السيد ترمب في معالجة المسائل المتعلقة بمستقبل العلاقات الأميركية-الروسية من جانب، والعلاقات الأميركية-الصينية من جانب آخر. هذا بالإضافة الى مستقبل الدور الأميركي في الشرق الأوسط. ومنطلق هذا التساؤل هو أن السيد ترمب نفسه كان عاملا بارزا في مُفاقمة حِدّة التوتر في علاقات بلاده مع العالم، كما جاء في برنامجه الإنتخابي. قد يجادل البعض ان السيد ترمب رجل أعمال مخضرم يعرف من أين تؤكل الكتف؛ فهو كمفاوض، بارع في مراوغة خصومه ويرفع السقف لأبعد نقطة لِيَجْني افضل نتيجة ممكنة. ولكن معركة الإرادات في عالم المال والأعمال الخاصة تختلف عن معركة الإرادات السياسية العامة التي يؤخد فيها بالحُسبان التباينات الثقافية والحضارية للأمم والمسؤولية أمام الشعوب. 

وأما التساؤل الثاني فيدور حول جدوى هذه الخطوة وارتداداتها العملية على صناعة السلام في العالم. هنالك مجموعة من الأسباب يمكن اثارتها للتشكيك في مدى نجاعة الدور الذي يمكن أن يلعبه الدكتور كيسينجر ومن بين أبرزها، اولاً: رغم عقلانية كيسينجر إلا أن نجاحات كيسنجر التي يَشهد له بها التاريخ في فترة الحرب الباردة يصعب تَصَوُّر تكرارها في ايامنا هذه. والسبب أن اميركا في سبعينيات القرن الماضي كانت هي ذاتها في أعلى درجات قوتها وعنفوانها الإقتصادي والعسكري. وترتب على ذلك مكانة مميزة لها في ذهنية النخبة السياسية الأميركية وذهنية نظرائهم في العالم ولدى الشعوب ايضاً، خصوصا الشعب الأميركي نفسه الذي رأى أن قياداته رجالات دولة ولديهم مسؤوليات تجاه بقية الشعوب. ولم يعد هكذا هو حال الأشياء اليوم. ثانياً: الصراع بين الولايات المتحدة وخصومها فترة الحرب الباردة كان يدور في لُبّه خلافات ايديولوجية حقيقية قسمت شعوب العالم الى اشتراكي ورأسمالي مما منح الدول شرعية التمترس وراء جدران الصراعات الدولية. بينما في الوقت الحالي لا يوجد هنالك فجوة أيديولوجيا بقدر ما هنالك تنافس بين من يمتلكون السيطرة على أكبر مقدار من الموارد والسلطة في العالم ومن يعتقدون ان لهم الحق في شراكة عادلة للثروة والسلطة العالميتين. بمعنى آخر أن هنالك رفض روسي وصيني واضح لاستئثار الولايات المتحدة بمقدرات العالم وسياساته. ثالثا: لم يعد هنالك تناغم حقيقي بين الحلفاء الغربيون (اميركا وأوروبا) في رؤيتهم لا لأنفسهم ولا للآخرين. فليس صحيحا ان أوروبا ترى روسيا الاتحادية اليوم كما كانت تراها قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. وبذلك تفتقر اميركا اليوم الى الحليف الأوروبي الذي تستطيع التماهي معه في أهدافها ورؤيتها للجيوبوليتيك الذي تمخض عن انهيار الاتحاد السوفييتي. وأخيراً: الشعبوية السياسية المتنامية الانتشار خلقت فوضوية سياسية تتعدى متطلباتها الأبعاد التقليدية التي اعتدناها في الصراعات الدولية خلال الستة عقود المنصرمة.

إن مستلزمات السلام العالمي في ظل التعقيدات الجيوسياسية التي نجمت عن نهاية الحرب الباردة قد تتعدى مطلب السيد ترمب ورغبة الدكتور كيسينجر في ظهور عالمي من جديد. فلا يجب الاعتقاد ان الغزل السياسي الذي يملأ الأجواء الإعلامية بين بعض الرسميين في أميركا وروسيا سيكون كافياً لترميم العلاقات الدولية دون تنازلات أميركية حقيقية لروسيا وشريكهما الصيني. ويبقى إذاً، ما الذي يمكن أن يعده الدكتور كيسينجر لروسيا والذي لا تستطيع روسيا أخذه بالدهاء السياسي والقوة العسكرية؟