تغريدة الصباح - "ما تبقى لكم"
حنان باكير
محارق الكتب لا تقل فظاعة عن محارق البشر. فهي تهدم فكر أجيال عديدة قادمة، وتلقي بهم في بحر من الظلمات. ليس حديثي هنا عن محارق ومجازر تاريخية ارتكبت بحق الفكر الانساني، عن طريق اتلاف وحرق المكتبات.. لكن عن الغضب الذي ما زال، يصبه المسلحون على الكتب والمكتبات خلال الهزّات الأمنية.
صديق كاتب، له مقولة، صارت لازمة خاصة به: "مجنون من يعير كتابا، ومجنون كل من يستعير كتابا ويرده". استعارة الكتب هاجس كل من يعشقون مكتباتهم. ولا أقصد منهم هؤلاء الذين أصبحت المكتبة بالنسبة لهم، مجرد ديكور منزلي وبرستيج اجتماعي!
المفكر النرويجي وليد الكبيسي ومكتبته حكاية طريفة. لم أستأذنه بالحديث عنهما. في الواقع هو لا يملك مكتبة في بيت، بل مكتبة يسكنها ويحلّ ضيفا عليها، وبالكاد تتسع لمنامه! أكثر من ألفي كتاب اختارهم بعناية. رأيته كيف يختار كتبه من مكتبات لبنان، ويقوم بشحنها جوا، ووقت يحين موعد سفره، تجد كتبا جديدة، بدأت تحاشر ملابسه في حقيبة السفر!
الكتب تملأ كامل الشقة والمطبخ وغرفة النوم، والمطبخ تنازل عن جزء منه لاستضافة الكتب. طاولة الطعام لا مكان للطعام عليها.. اضطر الكاتب، الى إغلاق بلكونته الكبيرة بالزجاج، لاستخدامها مكتبة.. ولو قررت زيارته، فسوف يحتاج لوقت حتى يجد لك مكانا تجلس فيه! منذ سنوات طويلة، قلت له. هذه الكتب سوف تقوم بطردك من البيت، وستجد نفسك تحمل فرشتك وتنام على باب شقتك! جاءت قريبته ذات مرة لمساعدته في تنظيف وترتيب البيت/المكتبة، قالت الصبية ببراءة: لم لا نتخلص من جزء من الكتب! أجابها: تفضلي من غير مطرود ولا اريد مساعدتك. سألته ألم تقسُ عليها؟ أجاب "هؤلاء أولادي، فكيف أرميهم في مستوعبات القمامة"!
ألمت به وعكة صحية فقمت بزيارته. كان ممددا على حافة سريره الذي احتلته أكداس الكتب.. قلت له: كم هي محظوطة الكتب بك وبالنرويج! أخبرته عن مصير مكتبة الروائي والكاتب نافذ ابو حسنة. مكتبته تربو على الألفين وخمسمئة كتاب، عدا الصحف والتسجيلات النادرة، والمخطوطات القديمة، ومؤلفاته التي لم يبق لديه نسخا منها.. دراسات وأبحاث في صحف ومجلات، نشرها من زمن ما قبل الانترنت.. دمر البيت الحديث البناء، وتبخر تعب وجنى عمر بكامله. حزن الكاتب عليه، لكن حزنه الأعمق كان على المكتبة التي لم يسلم منها كتاب! حدث هذا في سورية، مع اجتياح الربيع العربي الذي أزهر دمارا وخرابا ودما..
أخبرني نافذ أبو حسنة عن مكتبة صديقه الباحث علي بدوان، في سوريا أيضا، مكتبة ضخمة لم تسلم هي الأخرى، من غضب "المتنورين".. ولم يبق منها الا الذكرى الموجعة لصاحبها.. الكتب كالبشر اذن، لها حظوظ جيدة أو سيئة.. بعضها يحرق ويداس، وبعضها يدلل بالنوم على سرير صاحبها، وعلى طاولة طعامه...
ولا يفوتني المرور على مكتبتي أو مكتبتنا، أي مع الرجل الذي اعتدته لسنوات. مكتبة ليست بضخامة المكتبات السابقة، لكنها قيّمة، وتتضمن مصادر قديمة باللغتين العربية والانجليزية.. ودائر المعارف البريطانية، بخزانتها الخاصة الأنيقة..
يوم غادرنا البيت تحت ضغط مهاجمة المسلحين، واستهدافهم لبيوت الفلسطينيين، لم أحمل معي سوى ألبومات صور اطفالي، فهي الشيء الوحيد الذي لن يعوّض. أدرك المسلحون، قيمة الكتب المجلدة الأنيقة وكذلك دائرة المعارف مع خزانتها، فأخذوا سبايا للبيع.. أما بقية الكتب، فقد مزقت وأتلفت، وأشعل ببعضها حرائق محدودة، فبدت جثثها متناثرة في الشقة.. ولم تسلم الكتب المقدسة لكل الديانات من آثار دوس البساطير العسكرية عليها.. وما لا يخطر في البال.. أن يبول المهاجمون "الحضاريون"، على الكتب!!
يوم ذهبت لتفقد البيت، كانت الشقة مشرعة ابوابها.. ومن بعيد أدركت حجم الكارثة، اقتربت بحذر ورهبة، نحو المدخل، فصدمني هول الوضع.. تقدمت محاولة تجنب الدوس على جثث الكتب والزجاج.. طالعتني رواية غسان كنفاني، بين الضحايا، كانت منزوعة الغلاف، والصفحة الداخلية الاولى، حملت عنوان: "ما تبقى لكم"!