عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الأول 2016

الذاكرة الوفية – أحمد ابراهيم البرغوثي

عيسى عبد الحفيظ

من مواليد قرية عابود قضاء رام الله. هذه القرية التي تعتبر نموذجاً في الإخاء الديني وقلعة نضالية وطنية سطرت صفحة مشرقة في السجل الوطني النضالي.

بتاريخ 28-2-1988 لم يكن قد مضى على اتمام دراسته الثانوية بضعة أشهر، وكان الفتى أحمد ابراهيم مصطفى أبو حسن البرغوثي قد أتم دراسته الثانوية بتفوق وسجل سنة جامعية أولى في جامعة النجاح، كانت الانتفاضة قد اندلعت بكل الزخم والعنف الرافض للاحتلال معلنة بداية مرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني المعاصر امتداداً لنضال كان قد مضى على اندلاعه أكثر من ثمانين عاماً. سلسلة طويلة من سطور التاريخ الذهبية منذ أن قامت أول مستوطنة يهودية على أراضي قرية "ملبس" والتي تحولت مع الزمن الى مدينة تسمى اليوم "تل أبيب".

خرج الفتى أحمد للمشاركة في جنازة رمزية للشهداء الذين سبقوه بأيام قلقيلة. كانت مجموعة المستوطنين الذين يتلفحون بالكوفيات الفلسطينية قد اتخذت قرارها المعهود "القتل" كما هي العادة وكما دأبت عليه منذ غزو فلسطين في بداية القرن الماضي.

كانت المجموعة القاتلة قد انطلقت من مستوطنة "حلميش" بقيادة المجرم شنايدر المسؤول الأول في المستوطنة، والقادم الى فلسطين من مخلفات عصابات تصفية الهنود الحمر في القارة الاميركية. بالمناسبة فهذا الصنف من المستوطنين يؤمنون بأن البقاء للأقوى منذ أن تم القضاء على ملايين الهنود الحمر عندما وطئت اقدام المستعمرين البيض أرض القارة الأميركية الشمالية في القرن السادس عشر.

حشد شنايدر مجموعة القتلة الذين يتماهون مع افكاره العنصرية وانطلق الى قرية عابود حينما بلغه خبر خروج الشباب في الجنازة الرمزية للشهداء، مدججين بالسلاح ومعبئين بالحقد والكراهية ويتلمظون لتذوق الدماء. كان الفتية من عابود قد خرجوا للتظاهر وللتضامن مع الشهداء وذويهم. لم يحملوا رشاشات ولا مدافع ولا قنابل، كانوا يحملون فقط حقهم التاريخي في وطنهم، وهذا كان الهاجس الذي ترتعد منه فرائص شنايدر وأمثاله، لذا لا يمكن أن يمنع ذلك الا بالقتل حسب عقليته المريضة وعقدة النفسية المتأصلة والتي لا تهدأ الا برؤية الدماء.

فتحت أبواب جهنم وانهال الرصاص على الشباب فسقط رائد البرغوثي فوراً أما نصيب الشهيد أحمد فكان رصاصة في أسفل البطن. دخل الى البيت وهو يضغط على الثقب الذي أحدثته الرصاصة فهرعت والدته ولم يكن هناك طبيب ولا اسعاف ولا مستشفى. حاولت المسكينة مساعدته في غلي الميرمية والأعشاب التي تعرفها، وعند منتصف الليل أغمض الشاب عينيه ملاقياً وجه ربه.

التحق أحمد بالعلى ولم يلتحق بالجامعة التي كانت بانتظاره بعد أن أتم شروط الالتحاق بها.

نجم آخر هوى تاركاً خلفه شرارات عملاقة تضيء سماء الوطن.

الوطن الذي لا يمكن لشنايدر ولا لأمثاله أن يعرف قيمته عند الشعب الفلسطيني وعند الشباب أمثال أحمد ورائد البرغوثي. فالوطن الذي يقوم على أشلاء الهنود الحمر غير الوطن الذي يشب فيه أحمد على رائحة الزعتر وخوابي الزيت القادم من نسغ الزيتونة المقدسة التي حملت اسم فلسطين منذ عهد سيدنا عيسى عليه السلام، ومنذ أن هزت مريم جدع النخلة ليتساقط رطبها حلواً شهياً لا يستسيغه فم مريض يمتلأ بالمرارة كفم شنايدر قاتل الأطفال.