عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 تشرين الثاني 2016

نبض الحياة- هشاشة الجبهة الداخلية

عمر حلمي الغول

كشفت الحرائق المنتشرة في الجزء الأكبر من فلسطين التاريخية، الذي قامت عليه دولة الاستعمار الإسرائيلية عن سقوط مكانة دولة إسبارطة. وعرت النموذج الذي تغنى به الإسرائيليون وحلفاؤهم في الغرب. وهذه ليست المرة الأولى، التي تنكشف فيها عورة دولة الموت الإسرائيلية، حيث أماطت الحرائق اللثام عن هشاشة الجبهة الداخلية، وعجز الدولة المزنرة حتى اسنانها بترسانة عسكرية تفوق إمكانياتها وقدراتها الديمغرافية. ففي ما مضى قبل سنوات قليلة عندما شبت الحرائق في جبل الكرمل في حيفا، تبين ان جهاز الدفاع المدني متخلف وعاجز عن القيام بالحد الادنى من متطلباته ومسؤولياته الملقاة على عاتقه. 
وحاليا منذ ثلاثة أيام تشهد إسرائيل سلسلة كبيرة من الحرائق بلغت 220 حريقا، شملت طول وعرض البلاد وتركزت في حيفا وتل ابيب، ووفق تقديرات أردان، وزير الأمن الداخلي قد تستمر طيلة الأسبوع الجاري بسبب الاحوال الجوية وسرعة الرياح وانخفاض نسبة الرطوبة في الجو. نتج عنها في حيفا وحدها إلى الآن: إخلاء 80 الفا من السكان، والعدد قابل للزيادة؛ تم إغلاق مطار المدينة؛ وإغلاق ميناء حيفا في وجه السفن البحرية؛ وإخلاء 11 حيا وضاحية؛ ووقف حركة القطارات بين الخضيرة وبنيامنيا؛ إعلان حالة الطوارئ القصوى؛ استدعاء الاحتياط من رجال الدفاع المدني حوالي 300 رجل إطفاء؛ الاستعانة بالجيش؛ الاستعانة بدولة فلسطين وجهاز دفاعها المدني؛ طلب المساعدة من العديد من الدول، منها: روسيا، كرواتيا، اليونان، قبرص، إيطاليا وتركيا. 
وحتى تخفف الحكومة الإسرائيلية من حدة سخط الجمهور الإسرائيلي ادعى رئيس الوزراء، نتنياهو وجهاز "الشاباك" ووزير الأمن الداخلي، بأن هناك "خلفيات قومية متعمدة" وراء بعض الحرائق. ونسي جميع الأدعياء، ان ابناء الشعب العربي الفلسطيني في كل أنحاء الارض، يعتبرون ان فلسطين التاريخية أرضهم، وان جبالها ووديانها وسهولها وشواطئها لهم، أضف إلى انهم جزء من السكان القاطنين في طول البلاد وعرضها، وان هذا الجزء المتجذر في ارض الأباء والاجداد يتعرض ايضا للحرائق، ولا تقتصر على اليهود الإسرائيليين. وبالتالي لا يمكن ان يفكروا في هكذا اسلوب. ومع ذلك على سبيل المناقشة للادعاء الإسرائيلي، أين هو "الشاباك"؟ وأين أجهزة الأمن الأخرى؟ والأهم من ذلك، أين الجاهزية الإسرائيلية لمواجهة هكذا احتمال؟ أليست دولتكم دولة الحرب، ماذا لو سقطت كمية من الصواريخ على العديد من الأحراش والجبال وكانت الرياح أقل من الآن؟ وأين تنفقون الأموال الطائلة؟ وهل شراء الغواصات بملايين المئات من الدولارات اكثر اولوية من شراء سيارات وطائرات الإطفاء لجهاز الدفاع المدني؟ وأيهما اهم شراء طائرات الحربية من مختلف الاصناف ام تحصين الجبهة الداخلية؟ 
القراءة الموضوعية لأي مراقب سياسي او أمني، سيلحظ بمنتهى البساطة، ان إسرائيل دولة هشة، وضعيفة جدا، وتعاني جبهتها الداخلية من خلل بنيوي عميق، لا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع بنائها العسكري الإسبارطي. ولو وقف الآن قادة إسرائيل الأمنيون والسياسيون ودققوا في المشهد، الذي تعيشه دولتهم الاستعمارية، بماذا سيخلصون من النتائج حتى لو تساوق المرء مع نظرية "الشاباك" ونتنياهو واردان، بأن الحرائق من فعل فاعل؟ هل دولة مهزوزة وهشة إلى هذا المستوى في جبهتها الداخلية قادرة فعلا على مواجهة الحروب؟ هل لديها الجاهزية الحقيقية؟ هل هي مؤهلة لمواصلة الصراع الدموي؟ ولماذا لا تفكر بالبحث عن السلام لتحمي عوراتها وبؤس وضعها الهش؟ 
الف سؤال وسؤال تطرحه الحرائق على الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب والأميركان والأوروبيين والروس عن واقع دولة إسرائيل وبؤسها. قوة اي دولة لا تتمثل بعدد الطائرات والغواصات والدبابات والاسلحة الثقيلة والنووية ولا بمدى تجهيز الجنود (حيث تفيد المعطيات أن الجندي الإسرائيلي يكلف تجهيزه ولبسه فقط 12000 ألف دولار دون القضايا الأخرى) بل مدى تكامل القدرات العسكرية مع الوضع الاقتصادي وجاهزية الجبهة الداخلية ومزايا أخرى ذات صلة. فهل تستخلص القيادة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الدرس من الحرائق وتعيد النظر بمواصلة الاستيطان الاستعماري وتعود لجادة السلام وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967 وتأمين عودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم على اساس القرار الدولي 194؟ 
[email protected]