نبض الحياة - فيروز الساكنة فينا
عمر حلمي الغول
في ذكرى ميلادها الثمانين تستحق السيدة فيروز من كل قلم يكتب لامرأة او رجل في بلاد العرب كلمة وفاء وتقدير لصوتها الملائكي، لغنائها الساحر، وادائها المبدع. لفيروز تنحني القامات الفنية والثقافية والسياسية احتراما لما قدمت مع فرقة الرحابنة، الفرقة التي تبوأت موقعا متقدما في المسرح الغنائي ليس في لبنان فقط، بل في العالم العربي ككل. واستحقت كل ما منحت من الأوسمة والجوائز وأكثر.
ولفيروز في اوساط الفلسطينيين العرب مكانة خاصة، حتى قيل إن البعض من الفلسطينيين نسبها للجنسية الفلسطينية. ولكن الحقيقة انها لبنانية عربية. إلا ان لفلسطين موقعاً مميزاً في حياة فيروز ومسيرتها الفنية. فهي لم يكن لها ولفرقة الرحابنة ان تبحر في فضاء المسرح الغنائي دون الكفاءات الفنية الفلسطينية. تلك الكفاءات، التي اضطرتها النكبة للجوء إلى لبنان، ومنهم: الاذاعي والمخرج صبري الشريف، الفنان محمد غازي، المبدع حليم الرومي، والموسيقار الكبير رياض البندك، وعازف القانون المتميز عبود عبد العال .. وآخرون. هذه الثلة من الفنانين المبدعين، كما قال المغني الراحل ملحم بركات، هي التي حملت الأغنية والموسيقى اللبنانية. وهي، التي أصلت للموقع الغنائي اللبناني في الاوساط العربية. لاسيما وان فلسطين كانت تحتل مكانة مميزة في الموسيقى والغناء والفن العربي عموما.
فأول من أخذ بيد فيروز بعد اكتشافها، هو حليم الرومي. ومن دربها ولقنها الغناء، هو المغني المبدع محمد غازي. والفنان المخرج، الذي أشرف على معظم الأعمال المسرحية الغنائية لفرقة الرحابنة واخرجها، هو صبري الشريف ابن يافا، الذي جال مع الفرقة في رحلاتها المختلفة. وتقديرا لدوره المبدع منحته الدولة اللبنانية وسام الاستحقاق اللبناني المذهب عام 1957؛ ووسام الأرز من رتبة فارس عام 1961، وجائزة سعيد عقل1971، وجائزة عاصي الرحباني 1988. فضلا عن وسام القدس للثقافة والآداب والفنون من دولة فلسطين.
لذا ليس مستغربا ان تحتل فلسطين ونكبتها والعودة مكانة خاصة في اغاني السيدة العظيمة فيروز، ومن بين ما غنت: "سنرجع يوماً"، "أجراس العودة"، "راجعون"، "زهرة المدائن"، "خذوني إلى بيسان" و"جسر العودة" و"القدس العتيقة" و"يافا". فالعلاقة مع فلسطين لها روح، وحكاية مسيرة منذ الخطوات الاولى في الغناء للسيدة صاحبة الصوت الشجي الأنيق والمتألق.
كما أن فرقة الرحابنة بمكوناتها المبدعة: عاصي ومنصور ومن ثم زياد ومن رافقهم المشوار الطويل، فرقة عميقة الصلة بالعروبة فغنت للشام ودمشق ومكة ومصر، وبالطبع للبنان بكل ملامحه وتضاريسه وحكاياه الجميلة. فكان صوت فيروز الملائكي يشدو في كل صباح وحتى الآن مع البسطاء من عامة الناس والنخب السياسية والثقافية الفنية. ولا يحلو الصباح أي صباح إلا بفيروز، فهي رديف المجودين للقرآن وتراتيل الكنائس.
فيروز الساكنة فينا، في قصص حبنا، والحنين للوطن، للشوارع والساحات والكنائس والمساجد والقناطر وللياسمين وجسر اللوزية وذهب أيلول وللست الختيارة ولجدي ابو مرعي وللقمر والربيع والشتاء ... إلخ من الأغنيات الدافئة العذبة كعذوبة نبع صاف، هي تعيش فينا ومعنا، وتأخذنا إلى حيث نشاء وتشاء بطربها الشرقي الأصيل.
شكلت فيروز وفرقة الرحابنة ثورة حقيقية في مدارس الغناء العربي الأصيل. وأسهمت في تطوير الذوق الغنائي، حيث مزجت الفرقة بين الموسيقى الشرقية والغربية دون أن تؤثر على الطابع الشرقي للغناء، لا بل نهضت به إلى مصاف متقدمة في عالميته.
لفيروز في عيد ميلادها الثمانين كل الحب والوفاء والتقدير، والتمني لها بالعمر المديد. وستبقى فيروز خالدة وحية بيننا ومع الأجيال القادمة، لانها أيقونة الغناء العظيم لفلسطين ولبنان وسورية ولكل العرب وللعالم اجمع. إنها ثروة فنية عظيمة.
[email protected]