عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 تشرين الثاني 2016

تغريدة الصباح- حكايا عشق أسطوري

حنان باكير

ليست فرادة فلسطينية. فعشق الأوطان غريزة طبيعية. لكن تعلق الفلسطيني بأرضه، هو حكاية عشق اسطوري. بسبب أحزان الفقد، الذي لم تستطع محوه أو كسر حدته السنوات السبعون. وأينما وليتُ وجهي أجد وأتذكر، عشاقا يرحلون تاركين حكايات عشق تُروى وتدون.

أم ميلاد.. ابنة كفر برعم، وجدة صديقتين غاليتين. يوم تم تجريف قريتها الحدودية، بقيت في وطنها واختارت قرية الجش، أقرب نقطة محاذية لأرض والدها "أبو طنوس"، بانتظار عودة قريبة.. تراقب الأرض، تحصي وتحرس شجرات زيتونها، من بعيد، دون أن يكون لها حق الاقتراب منها. لم تستطع ام ميلاد استيعاب فكرة شراء قنينة زيت من الدكان، وهي ابنة صاحب كروم الزيتون! فأعلنت الصيام عن أكل الزيت والزيتون الا من أرضها!

في يوم تشريني يحمل كآبة تقلب مزاج الطبيعة، ويثير الحنين مذكرا بأوان قطاف الزيتون. سمعت زيتون ارضها يناديها.. فعزمت على أمر ما.. مع تسلل خيوط الفجر، تسللت الى أرضها.. تسمرت في مرابع طفولتها وشبابها. سحبتها الذاكرة، الى زمن الطفولة وشقاوتها.. الوالد منهمك بالتقاط حبات الزيتون، الأم تحضر زوادة الى الحقل، صراخ اخوتها يتعربشون الاشجار. استعادت صورة عمر جميل، مرّ كلمح البرق.. بدأت بقطاف حبات الزيتون الكبيرة، ودسّها في كيس كبير، وهي تدندن ترانيم القطاف.

انتصب أمامها، جندي بقسمات وجهه القاسية، آمرا إياها بترك الزيتون ومغادرة ارض الحكومة.. غادرتها كل أنواع المشاعر، وبقي عنفوانها وغضبها في مواجهة البندقية.. أشارت الى شجرة زيتون ضخمة.. هذه الشجرة غرسها احد اجدادي عمرها ثلاثمائة سنة.. فكم عمر حكومتك! هذا زيتون "أبو طنوس" غور من وجهي.. اقتيدت أم ميلاد الى المخفر مع كيس زيتونها.. واجهت شروط السارق، دفع ثمن الزيتون أو السجن! صاحت بهم واستقام ظهرها وتطاول عنقها: باطل.. باطل.. أدفع ثمن زيتوني؟ لا احبسوني احبسوني... وحبست أم ميلاد.. وسجلت انتصارا على حالة القهر، نصرها الخاص بقي ملكا لها ولبعض اقاربها. نصر دون اكليل غار أو مارش عسكري.

نجزم أن السجان لم يكسر أنف ام ميلاد، وإلا لماذا كان يلفق التهم الشنيعة والمهينة لبكرها ميلاد؟ فاستحالت حياته بين ربعه.. وفي ليل بهيم دثّره بظلمته، تسلل عبر الحدود.. وانضم الى قوافل اللاجئين في التيه الطويل.. لم تكتمل حكاية ام ميلاد، التي خسرت قريتها وبكرها. توقف الراوي عن السرد وغابت تفاصيل حكايتها.

 إيلين الأرمنية المقدسية، وجارتي في بيروت أخبرتني ذات مرة: "في مرّة كنا قاعدين، وإحنا بتعرفي من حي الأرمن، ولاّ سمعنا عجقة وضجة، طلّيت من الشباك، وهالناس شي بروح وشي بيجي، شي بالعرض وشي بالورب، متل يوم القيامة، غبار وصراخ، وإم عم تشحط ولادها.. وشفت جارتي، بتصرخ وبتقول "ولكو بقولوا هالبلد ما راح يظبط، إنفدوا برواحكن، وفي باخرة ناطرة، بدها تنقل بس المسيحيين لأوروبا".

معظم عيلتي ركبوا الباخرة وراحوا، تابعت ايلين، كلامها. "قلتلو ولك يا خيّا وين بدك تروح لآخر الدنيا، بيروت اقرب لنا، ومش راح نطوّل بغربتنا، قال لي: يا خيتا، لما يزبط البلد، اللي بياخدنا لآخر الدنيا، بقدر يرجعنا لهون! طلعوا بالباخرة، وبقيت واقفة ألوّح لهم، حتى غابوا عن نظري، وغابت الباخرة كلها.. وهاي صار عمري خمس وتمانين سنة، وما عدت شفتو.. وانا بقيت، لأن خطيبي كان في بيروت، وفضّلت ألحقه، وبقيت معي أختي الصغيرة روز". يا خيتا، الغرب ما بحبنا وما بدو يحمينا، لكن بدو يخلي البلد لليهود". غصة ايلين، ودمعاتها المتحجرة في مآقيها، ما زلت استحضرها طازجة، كلما تذكرتها. شقيق ايلين، عاد بعد سنوات طويلة، ولكن الى ارمينيا، وصار في منصب عال، طلب من اختيه العودة الى ارمينيا. رفضتا الأمر فهما يُردن العودة الى حارة الأرمن في القدس. إيلين رحلت بعيدا وروز أوشكت على الرحيل وما زالت تتحسر على اختها التي دفنت في بيروت.. فهي تعيش الامل في ان تدفن في القدس!