عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 تشرين الأول 2016

تغريدة الصباح– شيزوفرينيا ثقافية

حنان باكير

وسمتْ المنافي الغربية بطابع معين، ركز الإعلام عليها. فئة متواضعة ثقافيا واجتماعيا، غادرت في رحلات سندبادية الى منابع اللبن والعسل والأمان، حيث عاشوا في رغد يشبه الحلم.

لكن الأشد معاناة من المنفيين، هم طبقة المثقفين والأكاديميين. فهم هاجروا في سن يصعب عليهم بدء حياة جديدة فيها. حملة دكتوراه ولهم خبرتهم في بعض الجامعات. لم تتوفر لهم شروط حياة اعتادوها، فكانوا من الخاسرين. بعضهم اشتغل في أعمال متواضعة، ومعظمهم انكفأ على ذاته، ورضي بالعيش على الإعانات الاجتماعية، ما سبب لهم انتكاسة نفسية.

المثقفون الشباب، عرفوا طريقهم وحددوا ماذا يريدون.. فأنجزوا الكثير وكان لهم حضور فرض نفسه.. فالمفكر وليد الكبيسي، اختير واحدا من عشرين كاتبا تركوا تأثيرهم على المشهد الثقافي النرويجي، ورسموه مع باقي الكتاب على أحد جدران بيت الأدب، أكبر وأبرز صرح ثقافي نرويجي.

وفريق ثالث، بقي تائها بين ثقافتين، ومنهم كاتبة هذه التغريدة. جئت النرويج وأنا في سن نضج النضج، لست لاجئة تستحق الشفقة. ولا أرضى العيش في هامش بيئة سأصبح جزءا منها. تعلمت اللغة. لكني لم أحسم الأمر.. أأكتب بلغتي الأم، أم باللغة النرويجية. اذ لا أريد ان اكون مثل "الأطرش بالزفة"، وأنا أعتبر نفسي صاحبة رسالة.

بدأت بكتابة رواية ثانية. استوحيتها من عملي نادلة في مقهى إغريقي، لم أخجل من عملي، الى حين تعلم اللغة. ترجمت بعض قصص الرواية الى اللغة النرويجية، للمساهمة في قراءات أدبية. أعجبت العديد من كبار الكتاب النرويجيين. وطلبوا مني ترجمة بعضها، ففعلت. النجاح الذي لاقته حكاياتي، أصابتني بالغرور والاعتداد بالنفس، وخلت نفسي على درجة واحدة مع إبسن وفيرجيلاند.

نسيت الرواية، وبدأت أكتب مقالات للصحف. فيرسلون لي اعتذارا لعدم نشرها.. تكررت العملية، وتكررت إحباطاتي.. لكني صممت على التحدي، رغم علمي أني كـ "التيس الذي ينطح صخرة". لجأت الى صديق أسأله: ما الخلل في مقالاتي؟ أجابني: بدك الصراحة، وبدون زعل؟ نعم والا لما جئتك! قال: أنت تكتبين لقارئ عربي. وما الفرق.. الأفكار هي ذاتها! قال.. القارئ هنا لا يحب الإنشاء والفذلكة الكتابية. القارئ يريد فكرة أو معلومة، على قياس الجملة، ولا يقرأ تعابير جميلة هشة بلا معنى!

أحبطتُ. تذكرت كيف كان زملائي في لبنان، يتهمونني بالمباشرة في كتاباتي، وأني أحشد الأفكار كلها في مقالة واحدة، رغم أني استطيع توزيعها في مقالين او ثلاثة، مع مقدمة جميلة وبعض الإنشاء! لم أقتنع حينها بالأمر. فما بالي هنا أقع في " حيص بيص"!

بدأت أتمعن واتمهل في قراءة المقالات النرويجية، والقصص القصيرة. لغة جميلة وجمل مكثفة، لا تجد فيها كلمة يمكن الاستغناء عنها دون إحداث خلل في المعنى. لا تجد جملة شعرية جميلة هشة وفارغة المحتوى! وهذا ما سماه الشاعر فراس عمر "بالدهشة الهشة" استوقفني أمر آخر، لم أجد فيما قرأته، كاتبا يستشهد بأقوال فلاسفة أوعظماء، أو بكتب قرأها.. حين تحدثت بالأمر مع كاتب معروف. أجابني باستغراب: ولم علينا فعل ذلك؟ فلكل كاتب أفكاره وأسلوبه! وقرأت لاحقا عن الكاتب الشهير "شيل أسكيلدسن"، أنه كان يكتب كل يوم سطرا واحدا! وحين يكتب صفحة في أسبوع، فإنه يستشعر خطأ ما، ويكرر قراءة الصفحة مرات ومرات للتصحيح! دهشت وضحكت من نفسي، هذا النرويجي.. فما بالي أريد أن أكتب أسفارا وقد بلغت من العمر ما بلغت! كانت مرحلة صراع شعرت فيها "بشيزوفرينيا" ثقافية. أأكتب بلغتي الأم أم باللغة النرويجية؟ وحين أكتب.. لأي قارئ أنا أكتب؟

نجحت أخيرا في تقمص المذاق النرويجي. ونشرت في عدد من الصحف المحترمة. ذات مرة، أرسلت مقالة الى صحيفة " أفتن بوستن"، وهي كبرى الصحف هنا. وكانت المفاجأة، أن نشرت كمقال رئيس في الجريدة.. اتصل بي المفكر وليد الكبيسي وقال لي: هل تعرفين أن بعض الكتاب القدامى في الجريدة، يحلمون أن ينشروا مقالا رئيسيا في الجريدة! لكني ما زلت أمارس ضياعي.. أكتب لقارئ عربي بمذاق نرويجي.. فهل نجحت؟